بقلم: د. نفيسة إبراهيم الأمير
في تطور يعكس تصاعد الاهتمام الإقليمي والدولي بالحرب في السودان، احتضن مركز مركز سيتا، أحد أبرز مراكز الدراسات الاستراتيجية في تركيا، ندوة سياسية وفكرية قدّمت قراءة مختلفة لطبيعة الصراع السوداني، متجاوزةً التوصيف التقليدي للحرب باعتبارها مجرد مواجهة بين الجيش السوداني ومليشيا متمردة.
الندوة، التي شارك فيها باحثون وخبراء في الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية، خلصت إلى أن السودان لم يعد يواجه تمرداً داخلياً محدوداً، بل مشروعاً إقليمياً متكاملاً متعدد الأدوات، تُستخدم فيه المليشيات المسلحة كأذرع لتنفيذ ترتيبات جيوسياسية واقتصادية تتجاوز حدود الدولة السودانية.
من الحرب الداخلية إلى صراع النفوذ
الطرح الذي قدّمه باحثو «سيتا» يعكس تحولاً مهماً في فهم طبيعة الحرب السودانية. فاستمرار القتال، واتساع نطاق العمليات العسكرية، وتدفقات التمويل والتسليح والدعم السياسي والإعلامي العابر للحدود، كلها مؤشرات على أن السودان بات ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، وليس مجرد أزمة أمنية داخلية.
ولم تعد المعركة، وفق هذه القراءة، مرتبطة فقط بحسم عسكري بين طرفين، بل أصبحت جزءاً من تنافس أوسع على النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهي منطقة تشهد تصاعداً في الصراع بين قوى إقليمية ودولية تسعى لتثبيت حضورها الاستراتيجي والاقتصادي والعسكري.
كما ركزت النقاشات على أن استهداف مؤسسات الدولة السودانية والبنية التحتية والمرافق الحيوية يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، ليقترب من محاولات إعادة تشكيل موازين القوة داخل السودان وفي محيطه الإقليمي.
أنقرة والاقتراب من الملف السوداني
الاهتمام التركي المتنامي بالأزمة السودانية لا يمكن فصله عن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. فأنقرة تنظر إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي باعتبارهما امتداداً مباشراً لأمنها الاستراتيجي ومصالحها الاقتصادية، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد على الموانئ وخطوط التجارة والطاقة.
ويبدو أن المؤسسات البحثية التركية بدأت تتعامل مع السودان باعتباره نقطة ارتكاز مهمة في معادلات الأمن الإقليمي، لا سيما مع موقعه الجغرافي الحيوي وتأثير استقراره أو اضطرابه على حركة التجارة والملاحة في البحر الأحمر.
كما أن صدور هذه المقاربة من مركز بحجم «سيتا»، المعروف بقربه من دوائر صناعة القرار في أنقرة، يمنح هذه الرؤية بعداً سياسياً يتجاوز الإطار الأكاديمي، ويعكس جانباً من اتجاهات التفكير داخل النخبة التركية تجاه مستقبل الأزمة السودانية.
السودان… معركة الدولة أم إعادة تشكيل الإقليم؟
الرسالة الأبرز التي خرجت بها الندوة تتمثل في أن السودان يخوض اليوم معركة تتعلق ببقاء الدولة الوطنية نفسها، في مواجهة شبكات نفوذ عابرة للحدود تستخدم الاقتصاد والإعلام والسلاح لإعادة إنتاج واقع سياسي جديد في المنطقة.
وفي ظل تعقيدات المشهد، تبدو الحرب السودانية مرشحة لمزيد من التدويل، خاصة مع تصاعد التنافس على البحر الأحمر وممرات التجارة الدولية، ما يجعل أي تسوية سياسية محتملة مرتبطة بتفاهمات إقليمية ودولية تتجاوز حدود الداخل السوداني.
وبينما تستمر المعارك على الأرض، تكشف مثل هذه الندوات عن جبهة أخرى لا تقل أهمية: جبهة مراكز الدراسات وصناعة القرار، حيث تُعاد صياغة مفاهيم الحرب والسيادة والدولة الوطنية، ويُقدَّم السودان بوصفه ساحة اختبار جديدة لمعادلات النفوذ في الإقليم بأسره.
د. نفيسة إبراهيم الأمير
