وعلى حد قولي:
حينما تضيقُ الأرضُ من صخبِ الدماءِ ومن والصليل
يبقى الوطنُ الجريحُ معلّقاً بينها وبين الرحيلْ
لا الحربُ أنجت أهلَهُ من نارِ فتنتِها ولا البقاء الطويلْ
لكن جيادَ الحقِّ تعرفُ كيف تنتصرُ وتعرف وقت الصهيل
في الحروب لا توجد منطقة آمنة للوقوف طويلاً، فإما أن تكون مع الدولة وجيشها أو ضدها، وإما أن تنحاز للشعب الذي يبحث عن وطنٍ مستقر أو تظل عالقاً في مساحات الرماد السياسي والعسكري. ومن بين الأسماء التي ظلت مثار جدل واسع داخل المشهد السوداني علي رزق الله “السافنا”، ذلك الرجل الذي خرج من عباءة مليشيا آل دقلو المتمردة وهذه المحمده، لكنه حتى اللحظة لم يعلن اصطفافه الكامل مع القوات المسلحة أو أي قوة مساندة لها.
السافنا حسب الوقائع الميدانية لم يكن شخصية هامشية داخل مسرح العمليات، بل شارك بصورة مباشرة في معارك الخرطوم، وكان حاضراً في واحدة من أعنف المواجهات أثناء معركة تحرير الإذاعة، تلك المعركة التي مثلت تحولاً كبيراً في مسار الحرب داخل العاصمة. وعلي زمتي كانا على مقربة من القبض عليه، غير أنه تمكن من الفرار قبل إحكام الطوق عليه، ليتجه لاحقاً نحو كردفان ودارفور ويقود عمليات هناك وسط ظروف معقدة وتشابكات قبلية وميدانية خطيرة.
الرجل أيضاً تعرض في لإصابة بالغة كادت أن تنهي حياته، لولا الأقدار التي أبقته في قلب المشهد. لكن بقاءه لم ينهِ الأسئلة، بل فتح أبواباً واسعة للحيرة حول حقيقة موقعه الحالي، خاصة وأنه يقدّم نفسه باعتباره منحازاً للمواطن السوداني لا لأي طرف عسكري أو سياسي.
غير أن المواطن السوداني نفسه، وفي ظل ما تعرض له من قتل ونهب وتشريد وانتهاكات، ادرك ان القوات المسلحة المؤسسة الوطنية التي تخوض معركة بقاء الدولة، ولذلك فإن أي خطاب يبتعد عن تحديد موقف واضح من الحرب يظل خطاباً ناقصاً في نظر كثيرين.
المعركة في السودان لم تعد مجرد تبادل إطلاق نار، بل تحولت إلى صراع وجودي بين مشروع دولة تقودها القوات المسلحة ومشروع مليشيا. ولهذا فإن كل الأصوات التي تدعو إلى تفكيك مليشيا آل دقلو الإرهابية تجد قبولاً واسعاً داخل الشارع السوداني، لأن الناس رأوا بأعينهم حجم الدمار الذي أصاب الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان وغيرها من المدن والقرى.
وفي خضم هذا المشهد، تتصاعد كذلك موجات الغضب تجاه الأدوار الخارجية التي أسهمت في إطالة أمد الحرب، وعلى رأسها الاتهامات المتكررة الموجهة إلى محمد بن زايد بدعم المليشيا سياسياً ولوجستياً، وهي اتهامات أصبحت جزءاً من خطابنا السياسي والإعلامي السوداني خلال الفترة الأخيرة.
السودانيون اليوم لا يبحثون عن أبطال فرديين بقدر ما يبحثون عن وطن يعود كما كان دولة تحكمها المؤسسات لا البنادق، ويحرسها القانون لا الارتزاق، وتنهض بسواعد أبنائها لا بتدخلات الخارج.
أما الذين اختاروا الوقوف في منتصف الطريق، فإن الحرب نفسها ستجبرهم عاجلاً أو آجلاً على تحديد مواقعهم الحقيقية، لأن الوطن حين ينزف لا يقبل المسافات الرمادية الطويلة.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة
