الثلاثاء, مايو 12, 2026
الرئيسيةمقالاتعلي حافة الحقيقة!! ...

علي حافة الحقيقة!! بعد سقوط الانظمة… من يُفشل الثورات السودانية زكرياعلي عبدالرسول/ كاتب ومحلل سياسي



في السودان، لم يكن إسقاط الأنظمة يومًا ماهو المشكلة الحقيقية.
فالشعب السوداني أثبت عبر تاريخه أنه قادر على كسر حاجز الخوف، والخروج إلى الشوارع، وإسقاط أكثر الأنظمة بطشًا حين تصل الأزمات إلى ذروتها. لكن السؤال الذي ظل يطارد السودان بعد كل ثورة هو: لماذا تنجح الثورات في إزالة الحاكم، وتفشل في بناء الدولة؟
الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من الثورات السودانية لم تسقط بسبب قوة الطغاة فقط، وإنما بسبب الذين ظهروا علي الساحة السياسيةبعد سقوط الطغاة.
ففي اللحظة التي ينتصر فيها الشارع، تبدأ معركة النخب، وتتحول الثورة من مشروع وطني جامع إلى صراع مفتوح حول السلطة والنفوذ والمكاسب السياسية. بعض النخب تعاملت مع الديمقراطية وكأنها مجرد شتيمة للنظام السابق، أو حالة دائمة من الانتقام السياسي، بينما الديمقراطية في جوهرها هي القدرة على إدارة الاختلاف دون تدمير الدولة. فليس كل من يهتف ضد الاستبداد مؤمنًا فعلًا بالديمقراطية، وليس كل من يرفع شعار المدنية قادرًا على بناء دولة مدنية حقيقية.
المشكلة الكبرى أن الثقافة السياسية السودانية ظلت أسيرة عقلية الإقصاء.كل تيار يريد أن يحتكر الثورة لنفسه، وكل مجموعة تتعامل مع الوطن كغنيمة سياسية لا كشراكة تاريخية. ولهذا تتحول الثورات سريعًا إلى ساحات تخوين واستعلاء وتصفية حسابات، بدل أن تكون بداية لعقد وطني جديد. ومن وراء هذا الفشل أيضًا، غياب المشروع الوطني المتفق عليه. فبعد كل ثورة، يظهر الخلاف حول كل شيء: شكل الدولة، الهوية، العلاقة بين المركز والهامش، دور الجيش، مفهوم العدالة، وحتى تعريف المدنية نفسها. فتدخل البلاد في مرحلة انتقالية بلا رؤية موحدة، وتصبح الثورة مجرد فراغ سياسي تتصارع داخله القوى المختلفة.
كما أن بعض القوى السياسية أخطأت حين تعاملت مع الدولة وكأنها امتداد للحزب أو الأيديولوجيا، لا ككيان يجب أن يبقى فوق الصراعات. وعندما تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات صراع، تصبح الثورة نفسها مهددة بالانهيار، لأن الشعارات وحدها لا تبني مؤسسات، ولا تحفظ الأوطان من الفوضى.
وفي أحيان كثيرة، لعبت الانقسامات الحزبية، والطموحات الشخصية، وضعف القيادات الوطنية الجامعة، دورًا مباشرًا في إجهاض الحلم الثوري. فبدل أن تتوحد النخب حول مشروع إنقاذ وطني، انشغلت بمعارك السيطرة والمواقع، حتى فقد الشارع ثقته في الجميع.
إن أخطر ما يواجه السودان ليس فقط بقايا الطغيان، بل إعادة إنتاجه بأسماء جديدة وعناوين مختلفة.فالاستبداد لا يسكن القصور وحدها، بل قد يسكن أيضًا داخل عقلية النخب التي ترفض الآخر، وتعتقد أن امتلاك الشارع يعني امتلاك الحقيقة المطلقة.
ولهذا ظلت الثورات السودانية تدور في الحلقة نفسها: يسقط الحاكم… ثم يسقط الاتفاق… ثم يسقط الوطن في فوضى الانقسام والصراع.
إن نجاح أي ثورة لا يُقاس بلحظة إسقاط الطاغية، وإنما بقدرتها على تأسيس دولة عادلة تتسع للجميع. أما حين تعجز النخب عن تحويل التضحيات إلى مشروع وطني حقيقي، فإن الثورة تتحول من فرصة تاريخية إلى خيبة جديدة تُضاف إلى ذاكرة السودان المثقلة بالانكسارات. وهذا ماحدث لاحدث الثورات السودانية ( ثورة ديسمبر).
،،،سروري مع خالص تحياتي ،،،

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات