الأربعاء, مايو 6, 2026
الرئيسيةمقالاتالعدالة والسلام في السودان خارطة طريق لإنهاء الحرب وبناء الاستقرار. ...

العدالة والسلام في السودان خارطة طريق لإنهاء الحرب وبناء الاستقرار. كتبت/ د.رجاء عبدالله حمد الزبير

كتبت/ د.رجاء عبدالله حمد الزبير

يدخل السودان العام الرابع من حرب مدمرة خلّفت أزمة إنسانية غير مسبوقة، تمثلت في النزوح الجماعي، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاغتصاب والتجويع،فضلاً عن تضرر بنيوي طال عدداً من مؤسسات الدولة. ورغم تعدد المبادرات الوطنية و الدولية والإقليمية، لا يزال السلام بعيد المنال، في ظل تعقيدات سياسية وعسكريةعميقة الأمر الذي يفرض ضرورة إعادة النظر في الأسس التي يمكن أن يقوم عليها سلام حقيقي ومستدام.

يطرح هذ المقال فرضية أساسية مفادها أن السلام في السودان لا يمكن أن يتحقق دون عدالة، وأن العدالة المؤجلة تقوض أي سلام محتمل.

تُعد العلاقة بين العدالة والسلام في السودان علاقة عضوية لا يمكن فصل أحد طرفيها عن الآخر، إذ أثبتت التجربة السودانية، كما غيرها من تجارب النزاعات المسلحة، أن أي محاولة لتحقيق السلام بمعزل عن العدالة تظل محاولة ناقصة ومهددة بالانهيار.

فالحرب الدائرة منذ عام 2023 لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من المظالم، وثقافة الإفلات من العقاب،
A culture of impunity
وغياب الإصلاح المؤسسي الحقيقي، الأمر الذي جعل من العنف وسيلة متكررة لإعادة تشكيل السلطة.

وفي ظل هذه المعطيات، يصبح وقف إطلاق النار ضرورة إنسانية عاجلة، لكنه لا يمكن أن يشكل بديلاً عن مسار العدالة طويلة الأجل، بل يجب أن يكون مدخلاً له.

إن الدعوات المتزايدة لوقف إطلاق النار تكتسب مشروعيتها من حجم المعاناة الإنسانية غير المسبوقة، حيث أدت الحرب إلى نزوح ملايين المدنيين، وارتكاب انتهاكات جسيمة شملت القتل خارج نطاق القانون، والعنف الجنسي، والتجويع، وتدمير البنية التحتية. ومع ذلك، فإن تعثر المفاوضات الجارية يعكس تعقيدات عميقة، من أبرزها استمرار تدفق الدعم العسكري الخارجي لبعض أطراف النزاع، وعلى وجه الخصوص قوات الدعم السريع، الأمر الذي أسهم في إطالة أمد الحرب وتقويض الحوافز الموضوعية للوصول إلى تسوية سلمية.

فحينما تتوافر الموارد والسلاح بشكل مستمر، يتراجع منطق التفاوض لصالح منطق الحسم العسكري، وهو ما يفسر جزئياً فشل المبادرات المتكررة لوقف إطلاق النار.

وفي هذا السياق، يقتضي التحليل القانوني التمييز بين أشكال الدعم الخارجي في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني. فمن ناحية، يظل من حق القوات المسلحة التابعة للدولة، باعتبارها تمثل الكيان السيادي المعترف به دولياً، أن تطلب المساعدة من الدول الأخرى، شريطة احترام قواعد القانون الدولي، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب.

ومن ناحية أخرى، فإن تقديم الدعم العسكري لكيانات مسلحة غير حكومية منخرطة في نزاع داخلي يثير إشكاليات قانونية جدية، خاصة عندما يسهم هذا الدعم في ارتكاب انتهاكات جسيمة أو في إطالة أمد النزاع، بما يقوض فرص السلام ويزيد من معاناة المدنيين.

وعليه، فإن وقف تمويل وتسليح هذه الكيانات يمثل خطوة أساسية لتهيئة بيئة مواتية للتفاوض.

كما أن الإطار القانوني الدولي لا يكتفي بتنظيم سير العمليات العدائية، بل يسعى أيضاً إلى الحد منها والدفع نحو إنهائها.

وفي هذا الصدد، تنص المادة السادسة من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف على أهمية السعي إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الضمانات القضائية، كما تُفهم في سياقها العام ضمن منظومة أوسع تشجع على إنهاء الأعمال العدائية وإيجاد تسويات سلمية، بما في ذلك إمكانية منح عفو في نهاية النزاع للأشخاص الذين شاركوا فيه، باستثناء مرتكبي الجرائم الجسيمة.

ويعكس هذا التوجه إدراكاً دولياً بأن إنهاء النزاعات الداخلية يتطلب مزيجاً من الحلول السياسية والقانونية، دون الإخلال بمبدأ المساءلة عن الجرائم الخطيرة.

غير أن أحد أبرز التحديات التي تواجه السودان يتمثل في ترسخ ثقافة الإفلات من العقاب، حيث لم تُفضِ التحقيقات السابقة إلى نتائج فعالة، ولم يتم تقديم المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة إلى العدالة، الأمر الذي شجع على تكرار الجرائم وتوسيع نطاقها.

وقد ساهم غياب الإجماع الوطني حول كيفية التعامل مع إرث الماضي في تعقيد المشهد، خاصة في ظل تجارب انتقالية اتسمت بالقصور، مثل بعض ممارسات لجنة إزالة التمكين التي أُخذ عليها عدم الالتزام الكافي بضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، مما أضعف الثقة في مؤسسات العدالة وأثار مخاوف من توظيف العدالة لأغراض التطهير السياسي
(Political purge).

ولا يمكن إغفال الأبعاد الهيكلية للصراع، التي تشمل ضعف مؤسسات الدولة، وغياب مشروع وطني جامع، والتهميش التاريخي، وتعدد مراكز القوة المسلحة. وقد أدى ذلك إلى خلق بيئة تتسم بانعدام الثقة والخوف المتبادل، سواء بين الأطراف المتحاربة أو بين هذه الأطراف والمجتمع المدني، بما في ذلك الضحايا والناجون. ومن ثم، فإن معالجة هذه الجذور العميقة تُعد شرطاً ضرورياً لأي سلام مستدام، إذ لا يكفي وقف القتال دون إعادة بناء الدولة على أسس من سيادة القانون والمواطنة المتساوية.

إن الطريق نحو السلام في السودان يمر حتماً عبر تبني مقاربة شاملة تدمج بين وقف فوري لإطلاق النار، ووقف التدخلات الخارجية التي تغذي النزاع، وإطلاق عملية سياسية جامعة، إلى جانب إنشاء آليات فعالة للعدالة الانتقالية تكفل المحاسبة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي.

كما أن دعم القضاء الوطني أو إنشاء آليات مختلطة يمكن أن يسهم في محاكمة مرتكبي الجرائم الجسيمة، بما يبعث برسالة واضحة مفادها أن ارتكاب الانتهاكات لم يعد بلا ثمن.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن كسر دائرة العنف يبدأ بإنهاء الإفلات من العقاب، وليس بتكريسه تحت ذرائع الاستقرار المؤقت.
وفي ظل هذه المعطيات، يصبح من الضروري التأكيد على أن السلام ليس مجرد اتفاق سياسي بين النخب، بل هو عملية مجتمعية شاملة تتطلب الاعتراف بالضحايا، وسماع أصواتهم، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

كما أن المجتمع الدولي مدعو إلى تجاوز حالة التجاهل النسبي لهذه الأزمة، والعمل بشكل أكثر فاعلية للضغط نحو وقف القتال، وضمان احترام القانون الدولي، ودعم جهود بناء السلام، مع الالتزام الكامل باحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه.

إن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد استمرار الحرب خياراً قابلاً للاستدامة، في ظل ما خلفته من دمار إنساني ومؤسسي. ومن ثم، فإن تحقيق السلام يتطلب إرادة سياسية حقيقية، واستعداداً لتقديم التنازلات، والالتزام بمبدأ أن العدالة ليست عائقاً أمام السلام، بل هي شرطه الأساسي وضمانته الوحيدة للاستمرار.

.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات