بقلم :مهاد عوض
في زمنٍ صارت فيه الهواتف امتدادًا لليد، لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت إلى مساحات مفتوحة تُعرض فيها تفاصيل الحياة بلا حدود. وفي الآونة الأخيرة، برزت على وسائل التواصل الاجتماعي—وخاصة تطبيقات البث المباشر—ظواهر دخيلة على المجتمع السوداني، تحمل في طياتها مشاهد وسلوكيات تتنافى مع قيمه الراسخة وتقاليده العريقة.
لم يعد الأمر يقتصر على مشاركة يوميات عادية، بل تجاوز ذلك إلى بث مشاهد من داخل غرف النوم، وظهور بعض الفتيات بمظاهر غير لائقة، في مشهد يثير التساؤل: أين الأسرة؟ أين الرقيب؟ وأين الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية والدينية؟ كأننا أمام جيلٍ يُدفع دفعًا نحو كسر الحواجز دون وعي بعواقب ذلك، في ظل غياب واضح لدور التوجيه والاحتواء.
الأخطر من ذلك، أن هذه الظواهر لا تنتشر فقط بسبب الجرأة، بل أيضًا بسبب “عدوى التقليد”. فالمجتمع—بطبيعته—يتأثر، خاصة فئة الشباب، حيث لا يصبح المعيار هو الصواب أو الخطأ، بل “ما هو الرائج”. وهنا تكمن الكارثة: حين يُصبح الخطأ موضة، والانفلات سلوكًا مبررًا.
ولا يمكن إغفال جانب آخر لا يقل خطورة، وهو ما يحدث من اقتحام صارخ لخصوصيات الآخرين، سواء عبر نشر مقاطع دون إذن، أو تتبع أخبار الفنانين والمشاهير بطريقة تتجاوز حدود الذوق العام والأخلاق. هذه الفوضى الرقمية تطرح سؤالًا ملحًا: أين الجهات المنظمة؟ أين نقابات المهن الفنية والإعلامية من هذه التجاوزات؟ ومن يضع الخطوط الحمراء التي تحمي المجتمع من هذا الانفلات؟
إن المسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، التي تُعد الحصن الأول، مرورًا بالمؤسسات التعليمية والدينية، وانتهاءً بالجهات الرسمية والتشريعية. فالأب والأم ليسا مجرد مراقبين، بل موجّهين، يزرعون القيم ويغرسون الوعي منذ الصغر. والمدرسة ليست فقط مكانًا للتعليم، بل ساحة لبناء الشخصية وتعزيز السلوك القويم. أما المؤسسات الدينية، فعليها دور كبير في إعادة إحياء الوازع الديني بأسلوب معاصر يقنع ولا ينفّر.
وعلى المستوى الرسمي، لا بد من سنّ قوانين واضحة وصارمة تضبط المحتوى الرقمي، وتُجرّم نشر ما يخدش الحياء العام أو ينتهك الخصوصية. كما يجب تفعيل دور نقابات المهن الفنية والإعلامية لوضع ميثاق شرف يُلزم العاملين في المجال بالمسؤولية الأخلاقية قبل المهنية.
أما الحلول، فلا تقتصر على المنع فقط، بل يجب أن تتجه نحو التوعية. نحن بحاجة إلى حملات إعلامية ذكية، تستخدم نفس المنصات التي انتشرت فيها هذه الظواهر، ولكن لنشر محتوى هادف وجاذب. نحتاج إلى قدوات رقمية تُقدم نماذج إيجابية، تُثبت أن النجاح لا يرتبط بالإثارة، بل بالقيمة.
كما يجب تعليم الأبناء “ثقافة الاستخدام”، لا “منع الاستخدام”. فالعالم الرقمي لن يختفي، لكن يمكننا أن نُحسن التعامل معه. الحوار داخل الأسرة، وفتح مساحات للنقاش، ومتابعة الأبناء دون قمع، كلها أدوات فعّالة في بناء وعي يحميهم من الانجراف.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل مؤشر على تحوّل ثقافي يحتاج إلى وقفة جادة. فالمجتمع الذي لا يحمي قيمه، سيفقد هويته تدريجيًا. وبين الانفتاح المطلوب والانفلات المرفوض، يبقى السؤال قائمًا: هل نملك الشجاعة لنضع حدًا، أم سنكتفي بالمشاهدة حتى يصبح الخطأ هو القاعدة؟
المعركة اليوم ليست مع تطبيقٍ بعينه، بل مع وعيٍ يجب أن يُستعاد… قبل فوات الأوان.
