وينتشر الخبر .. إنتشار شرر النار علي القش الهشيم .. يعم القري والحضر.. وهو ينقل للناس امرا جلل .. محاكمة العمدة عبد الله ود جاد الله .. عمدة الكواهلة ببارا …!
ويحدد موعد المحكمة .. زمانا .. ومكانا.. بالضرورة معلوم للجميع … محله محكمة زانوق .. وزانوق لغب يجلب الرعب من قرنيه ..!
كان الوقت ظهرا يوم صيفي محقون بحر الشمس التي صعد قرصها المتوهج إلي صدر السماء، مسلطا سخانته علي رؤس الاشياء والاشهاد .. حزمة مشكومة بالاشعة الساخنة التي امتصتها اوراق شجرة اللبخ العملاقة واسقطتها مترامية تحتها ظلا ممدودا حجب عن الناس شر الحر .
وانتشار الخبر .. المجلل في مسامع بارا و قراها المجاورة .. يجلب الناس اشتاتا.. ليروا وقائع جلسة عديمة المثل .. لدي محكمة زانوق .. وفي معية زحام الحاضرين من الناس كانت الحكامة مستورة بت كوكو .. من الشقيق.. حاضرة تترقب عن كثب لترصد تفاصيل الحدث .
وزانوق ذاك هو اللغب المرعب .. الذأئع الصيت الذي اطلقه الناس علي رئيس المحكمة ،.. ناظر دار الريح .. السيد محمد تمساح سيماوي .. ويعود السبب في ذلك لتشديده علي المتهم .. زنقه .. بالتضيق الضاغط عليه بكل الحيل والسبل .. حتي يستخلص منه الحقيقة عارية .. فيقر ويعترف ..!
لكن في ذلك اليوم .. الموعود .. كانت بارا ترتقب لرئاسة المحكمة رجل ٱخر هو المسؤل البريطاني الذي جيئ به مديرا لبحري وكردفان .. السير هارولد مك مايكل .. لان اس القضية في ذاتها كان جله .. إن لم يكن كله .. شان قابض بكعب السياسة .. وفي السياسة من الخبث ما لا يبث ولا يسر.. فيستوجب السكوت ..!
ويجئ اليوزباشي عبد الله جبريل ..جد شاعر بارا .. عبد الله الكاظم .. بالعمدة عبد الله ود جاد الله مقرونا في اصفاد الحديد .. الكلابيش .. ويودعه غرفة الاتهام ريثما يحضر رئيس المحكمة ..!
والإتهام الموجهه يومه إلي عبد الله ود.جاد الله هو إيوائه لعبد الباقي ود حبوبة ، شقيق الثائر المجاهد عبد القادر ود حبوبة ، بعد القضاء علي ثورته بمنطقة الحلاويين في العام 1908.. ففر عبد الباقي الي بارا وإحتمي بود جاد الله الذي اخفاه في منطقة الشقلة ببارا.. بعيدا عن اعين المتطفليين .. والمنطقة تلك كانت تصطرع بتنافس حامي علي سطح صفيح ساخن بالاحداث .. من اجل السلطة والنفوذ .. بين قبيلتي الكبابيش والكواهلة ..لكن الصراع ذاك هو ذاته ما ادي إلي الوشاية بالعمدة عبد الله ودجاد الله لدي الحكومة .. وللحكومات أذان صاغية وعيون صاحية .. ابدالا تنام.. فجئئ به إلي محكمة زانوق .. قيد ذاك الإتهام ..!
والمحكمة المعقودة تحت ظلال اللبخة تنعقد ويحضر عبد الباقي و المتهم، مصفدين بالاغلال، يجرجرا تحتهما سلاسل من الحديد، فتري ذلك المنظر الحكامة مستورة بت كوكو فترتعد فرائصها ثائرة وتساله .. مزعوجة متحسرة :
توري .. توري ..!
فيجيبها رجعا للسؤال :
تورك ما ضلع .. !
اطمئني فارسك ما اتهزم .. فتهش اساريرها ضاحكة مستبشرة . تملؤها مشاعر عز شهيه الكبرياء .. وتبدا الجلسة .. التي تاخد وتدي.. مع المتهم لفترة ليست بالطويلة من الوقت، فتجد المتهم مجرما.. بشاهدإثبات.. فيصدر القاضي حكما يقضي بتعهد عبد الله ود جاد الله بان لا ياوي اي هارب .. وعليه ان يوقع علي ذلك رسم اسمه .. ممهورا بقلم القاضي ..!
ويمسك عبد الله ود جاد الله بيده القلم وقد إشرابت أعناق الحاضرين حوله ممدودة برؤس تقافذت عيونها جاحظة بنظرات يثقلها الترغب والتوجس .. والدهشة والخوف . وفجاة ضغط عبد الله ود جاد الله علي القلم فكسره بقوة والقي به شتيت اشلاء متطايرة، تساقط بعضها متناثرا علي منضدة القاضي ..!
ومرة اخري .. يصبح الزهول هو سيد اللحظة الذي يكمم الافواه بصمت عالق بالحيرة .، يصادر من الناس اصوات انفاسها ويصن المكان ممسوكا بالاستغراب .. والعجب .. لكن فجأة ينطلق داويا صوت مستورة بت كوكو فيجلجل في فضاء المكان ويهتك ستر صمته، بكلمات كالرصاص واشد وهي تنشد مفتخرة :
ليك بجر النم يا دقر الحرايق .. اصبحت كارف السم .. عشميق الاصم .
شدولو فوق اصحاب الوحشي
الهوج وبتري وقفن يعاينن ليه
العاقر تقول بلدي وبسمي عليه
ياعيد الضحية البفتحولو البيت
رايو مكملو كسار قلم مكميك.
وتصبح الاغنية .. عشميق الاصم .. ريحانة تباريح الامكنه .. ووتر الغناء المشدود علي مسامع الازمنة .. في ليالي الطرب البهيج ببارا والابيض .. يرددها صوت المغنية النحل صباح الخير.. ويصدف ان تزور مديتة الابيض .. تلبية لمناسبة ختان .. مغنية ام درمان .. الذائعة الصيت في زمانها.. مهلة العبادية التي تعجبها الاغنية فتعود بها إلي ام درمان وتضيف إليها بعضا مما تراه من بيت القصيد فتغنيها في بيوت افراح ام در.. مرددة بايقاع الدلوكة .. وتصبح عشميق الاصم حدثا مصورا في اعصاب الغناء السوداني .. لسنين عددا.. يرددها المطربون جيل بعد جيل وما زالت.. حتي غناها صناجة الغناء عبد الكريم الكابلي .. بصوته العزب الخلب ليشحذ ههم سامعيه بايثارات البطولة والشهامة .. مجسدا لتلك الملحمة الوطنية الخالدة .. كسار قلم مكميك ..!
وهاهي بارا .. بعد قرن ونيف من زمان الحادثة تلك تكسر وهم الجنجويد .. لتكتب في ذاكرة ذات اللبخة حدثا جديد .. منسوخا بتفاصيل الف رجل .. ويزيد .. من عبد الله ود جاد الله .. ولا تزال الحرب مستمرة .. حتي اللحظة ونحن نكتب ، فهل من مستورة اخري تهيج في الناس صدي الذكري ..؟!
بدرالدين خاطر
