في توقيت يمر فيه الإقتصاد السوداني بأزمة خانقة ، أعلنت وزارة الصناعة والتجارة تمسكها بقرار حظر استيراد قائمة واسعة من السلع ، معظمها يُصنّف ضمن الكماليات ، مع استثناءات محدودة ، في خطوة تبدو كأنها محاولة مباشرة لكبح نزيف العملة الصعبة ، في ظل التدهور المتسارع لقيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية ، القرار في ظاهره يحمل مبررات اقتصادية منطقية ، لكنه في عمقه يثير أسئلة أعقد تتصل بواقع الاقتصاد السوداني المثقل بالحرب والاختلالات الهيكلية.
من الناحية النظرية ، تقليل الواردات خاصة الكمالية منها ، يُفترض أن يخفف الضغط على الطلب على الدولار ، ويمنح الجنيه فرصة لالتقاط أنفاسه ، فالسودان الذي يعاني شحًا في النقد الأجنبي ، لا يحتمل نزيفًا إضافيًا على سلع يمكن الاستغناء عنها أو إنتاج بدائل محلية لها ، كما أن توجيه الاستيراد نحو الضروريات فقط قد يسهم في إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية ، خاصة في ظل تراجع الإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد بسبب الحرب.
لكن هذه الصورة المثالية تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا ، فالسوق السوداني بطبيعته الهشة، قد لا يستجيب للحظر بالطريقة المأمولة ، التجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه القرارات غالبًا ما تفتح أبواب التهريب وتغذي السوق الموازي ، حيث تُستورد السلع نفسها بطرق غير رسمية وبأسعار أعلى ، ما يضاعف الأعباء على المستهلك بدل تخفيفها ، وفي ظل ضعف الرقابة وتآكل مؤسسات الدولة بفعل الحرب ، يصبح تنفيذ الحظر تحديًا حقيقيًا ، لا مجرد قرار إداري ،
الأثر الآخر الذي لا يقل أهمية هو انعكاس القرار على الأسعار والتضخم ، فحظر سلع غذائية مثل بعض المنتجات المصنعة ، أو حتى مدخلات إنتاج بعينها ، قد يؤدي إلى ندرة في الأسواق ، وبالتالي ارتفاع الأسعار ، وهو ما يفاقم معاناة المواطن الذي يواجه أصلًا تدهورًا في قدرته الشرائية ، كما أن إدراج بعض السلع ضمن الحظر ، رغم ارتباطها بسلاسل إنتاج محلية ، قد ينعكس سلبًا على قطاعات صناعية صغيرة تعتمد جزئيًا على مدخلات مستوردة.
في المقابل يمكن للقرار إذا ما أُحسن تنفيذه أن يشكل فرصة لإحياء الإنتاج المحلي ، حظر استيراد المنسوجات أو الأثاث أو بعض الصناعات الغذائية قد يدفع المستثمرين المحليين لسد الفجوة ، بشرط توفر بيئة إنتاج مستقرة ، وهو شرط لا يزال غائبًا في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل ، فالإنتاج لا ينمو بالقرارات وحدها ، بل يحتاج إلى بنية تحتية، وتمويل ، واستقرار سياسي وأمني ، يبقى السؤال الجوهري ، هل الحظر حل أم مجرد مسكن؟ في واقع اقتصاد يعاني من حرب ، وتراجع صادرات، وضعف ثقة ، فإن معالجة أزمة الجنيه تتطلب أكثر من كبح الواردات ، تحتاج إلى رؤية شاملة تعيد بناء القطاعات الإنتاجية ، وتضبط سوق النقد ، وتستعيد الثقة في السياسات الاقتصادية.
قرار الحظر قد يكون خطوة في الاتجاه الصحيح ، لكنه لن يكون كافيًا ما لم يُدعَم بإصلاحات أكثر قوة ، فالجنيه لا يستعيد عافيته بالمنع فقط ، بل بالإنتاج والاستقرار، وإدارة اقتصادية تتجاوز ردود الأفعال إلى التخطيط طويل المدى… لنا عودة.
