كانت رحلتي هذه المرة ضمن مأمورية عمل إلى إحدى الولايات ، وبعد أن أتممت مهمتي ، هممتُ بالعودة إلى مدينة اخرى ، فحجزتُ مقعدي في أحد الباصات السفرية ، وكعادتي لي شروط محددة عند الحجز ، أن يكون المقعد بمحاذاة النافذة ، وأن يقع قبل منتصف الباص ، بين المقدمة والوسط ، وأن تكون بجواري عنصر نسائي لا تصتحب طفلًا.
عندما صعدتُ إلى الباص ، وجدتُ إلى جواري شابة ، فبادرتُها بالتعريف بنفسي ، وقدّمت لي نفسها ، واتضح أنها تسكن قريبًا من مقر سكني في المدينة التي نقصدها ، سرعان ما تجاذبنا أطراف الحديث ، وفي أثناء انتظار بدء الرحلة طلبتُ من أحد الباعة المتجولين كوبين من القهوة ، فشربنا معًا ، وازداد بيننا شعور الإرتياح ، لم يغب عني وجود امرأة خمسينية كانت تراقبنا عن كثب ، ثم تبيّن لاحقًا أنها عمة الشابة ، فعاتبتها لما لم تخبرني لأطلب لها كوب قهوة مثلما فعلنا ، وما إن اطمأنت إليّ حتى اقتربت منا ، واحتضنت ابنة أخيها في لخظة وداع ، ثم حيّتني بحرارة على الطريقة السودانية ، وقالت مطمئنة “طالما تعرّفتما إلى بعضكما، أستودعكما الله”، ثم غادرت.
بدأت الرحلة فتقاسمنا أنس الطريق وزاده ، وتبادلنا الحديث عن تفاصيل الحياة والدراسة ، حتى قاربت رحلتنا على نهايتها ، سألتها إن كانت ستستقل وسيلة مواصلات ، أم نبحث معًا عن وسيلة نستاجرها ، فأخبرتني أن والدها سيأتي لاصطحابها من السوق الشعبي ، وأضافت بلطف لا داعي لأن تستأجري وسيلة ، سنوصلك معنا.
عند وصولنا كان المساء قد أرخى سدوله ، فحملت أمتعتي وحاولت الانسحاب بهدوء ، لكنها لحقت بي مُصرّة أن أرافقهم ، حمل والدها حقيبتي ، وركبت معهما ، حتى وصلنا إلى مقر سكني ، وعندما هممتُ بوداعهما ، شاكرةً صنيعهما ، توجهتُ بالشكر إلى والدها قائلة جزاك الله خيرًا يا حاج ، بارك الله فيك ، غير أنه فاجأني بقوله ، ألا يوجد مقابل (بارك الله فيكم كدا ساي) ، فاستفسرتُ عن المبلغ ، فقال خمسة عشر ألفًا ، لكن أعطني عشرة آلاف فقط ، لأن غيري سيأخذ المبلغ كاملًا ، في تلك اللحظة ، تدخلت ابنته من المقعد الأمامي قائلة ، لا يا أبي لا تأخذ منها شيئًا ، لكنني آثرت أن أدفع ، وطلبتُ منه رقم حسابه ، فأصرّ على الدفع نقدًا ، ولم يكن معي نقود ، فاملأ علي رقم حسابه ، فاقترحت أن أتحمل نصف المبلغ ، والنصف الآخر أجرة ابنته ، وقلت له إن استأجرنا وسيلة فسنفعل كذلك ، نتحمل المبلغ مناصفة ، فحوّلت له سبعة آلاف ، وعرضت عليه هاتفي ليرى الإشعار ، لكنه ظل يتمتم بعدم رضاه.
بعد أن استقر بي المقام ووضعت عن كاهلي بعض الرهق ، أرسلتُ إلى الشابة “إبنته” رسالة شكر ، عبّرتُ فيها عن امتناني لرفقتها الطيبة طوال إحدى عشرة ساعة ، وعن استيائي من تصرف والدها ، وقلت لها لو كان والدي مكانه ، وأنتما برفقتنا ، لما اكتفينا بإيصالكم فحسب ، بل لأكرمناكم في دارنا ، ولنحرنا لكم الذبائح ، ثم خيّرناكم بين البقاء معنا أو إيصالكم دون مقابل أو منٍّ أو أذى… تلك هي أخلاقنا ، أخلاق السودانيين… لنا عودة.
