الإثنين, أبريل 27, 2026
الرئيسيةمقالاتأرقيننا و أرقينهم…. ...

أرقيننا و أرقينهم…. بقلم/ الغالي الزين حمدون


لا أدري ماذا تعني كلمة أرقين ؟ و ما هي رمزيتها التاريخية و علاقتها بين مصر و السودان ؟ لكني أعرف فقط أنها نقطة جمركية حدودية و ميناء بري و معبر يربط بين السودان و مصر ….
أتيحت لي فرصة السفر عبر أرقين مرتين ذهاباً و أياباً …
في المرة الأولى من السودان و كنت أعاني وكزات المرض لم يكن تركيزي على شيء غير الوصول إلى موطن العلاج كان ذلك في فبراير ٢٠٢٣م قبل اندلاع الحرب اللعينة……
المرة الثانية عودتي عبره من مصر للسودان في يوليو ٢٠٢٥م بعد أن أتم الله علي نعمة الشفاء لحضور مناسبة زواج أبني …..
هذه المرة كانت نسبة تركيزي على الاشياء و المعالم و المواقف في الطريق عالية مما دفعني لإبداء ملاحظاتي عن معبر أرقين ….
أرقيننا و أرقينهم أقصد به معبر أرقين السوداني و أرقين المصري و كلاهما معبران بإسم واحد لا يفصلهما إلا (التجنس) مع أن لكل منهما خصوصيته و نكهته – يقولون ( لو لا اختلاف الأذواق لبارت السلع ) …..
من هنا أردت أن أبين اختلاف الأذواق بين المعبرين …..
أرقين السوداني يقع من الناحية الجنوبية داخل الأراضي السودانية في الحدود مع مصر ….
أرقين المصري يقع من الناحية الشمالية داخل الأراضي المصرية في الحدود مع السودان…..
المسافة بينهما لا تزيد عن ( ٣٠٠ ) ثلاثمائة متراً بالتقريب و إن كان هذا التقدير ليس دقيقاً لكني أوردته للدلالة على قرب المسافة بين المعبرين ….
المباني متشابهة في شكلها العام لكنها مختلفة في جوهرها و معدنها و خدماتها التي تقدمها للمسافر أو العابر …
عند وصولك لأرقين السودانية من الناحية الجنوبية تقابلك الأكشاك و الرواكيب العشوائية و تجارة و تبديل العملات الفوضوية ….
أول ما يطلبه المسافر عند نزوله من البص الحمامات لقضاء حاجته و الوضوء لأداء صلواته فيدلونه على ( درقات ) من الزنك اذا استطاع دخولها من الطفح و القاذورات يطل رأسه من أعلى سقوفاتها المكشوفة ….
اذا سألت عن الماء يدلونك إلى حوض من الحديد مثل تلك التي توضع على موارد المياه لتشرب منها البهائم و تجد نفسك مضطراً لحمل ( كرستالة ) و كتم نفسك لثوان أو دقائق لقضاء حاجتك داخل الحمامات و عند خروجك تحتاج لزيادة سرعتك لتصل مكان ترسل فيه نفسك المكتوم و تتنفس هواء ليس نقياً لكنه افضل مما بداخل أو بالقرب من الحمامات …..
الرجال يجرؤون على قضاء حوائجهم بأي شكل من الأشكال حتى لو كان في ( العراء ) لكن ما بال النسوة اللاتي تحصرهن الحاجة !! …
المباني من الداخل عبارة عن غرف دهاليز أغلبها من غير أبواب و أفضلها ما كان به باب و قفله بالطبلة و الجنزير بدلاً عن الكالون الذي أزيل بسبب فقدان مفاتحه ! …..
المسافر يجري معاملاته في أكثر من شباكين مهرولاً بين شباك و آخر خوفاً من أن يتعطل و يفوته البص……
الأغرب في طريقة تحصيل الرسوم أن المسافر يوردها بطريقتين من غير توجيه :
الطريقة الأولى تجمع جوازات المسافرين على متن البص قبل النزول مقابل كل جواز ( ٨٠٠٠ ) جنيه فقط ثمانية آلاف جنيه و يتم توجيهه لاستلامها من مكتب معين ….
من هذا المكتب يستلم المسافر جوازه مع إيصال الدفع الرسمي بالمبلغ المدفوع و يظن أن إجراءاته قد اكتملت فيتوجه إلى البص ، و سرعان ما يكتشف أنه لم يختم الجواز لعدم مروره على شباك الجوازات و عليه أن يدفع ( ٨٠٠٠ ) جنيه أخرى و يضطر لمراجعة الجوازات و يدفع مبلغ الثمانية آلاف كاملة ( نقداً ) أو( بنكك ) ثم ينتظر قليلاً ليستلم الجواز و معه إيصال رسمي بمبلغ ( ٥٠٠٠ ) جنيه فقط خمسة آلاف جنية باعتبار أن ال ( ٣٠٠٠ ) الثلاثة آلاف المتبقية من مبلغ الثمانية ( مجغومة ) لاجراءات ( التصوير و الورق ) داخل المكتب الحكومي و ما عاوزين نقول أين تورد وكيف يتم توريدها و لا نسأل عن أشياء تبدى لنا ( تسؤنا ) و نخلي العيش ( لخبازينه ) ….
لا شك أن الموظفين تعاملهم جيد لكن صراحة بيئتهم ( سيئة ) و ما بيدهم حيلة !…..
مظهر العمال ( الحمالين ) لا يليق بمعبر حدودي يدخل عبره أجانب للسودان بتزاحمهم و تكالبهم على المسافر كل يريد الفوز بنقل أغراضه ليحقق مكسبه و هم يحتاجون لتنظيم و إن دعى الأمر تسعيرة حمولة لتفادي التجاذب و الغلاط و أحياناً حد العراك مع المسافر ….
أغلب المكاتب من الداخل كأنها لم تمسسها يد منظف ربما لعدم وجود عمال نظافة و ساحة المعبر كذلك ….
طريقة تفتيش المسافرين بدائية جداً بفتح الشنط و البقج و فيه جهد شديد على المسافر و زيادة عبء على الموظف ، فماذا يكلف الشريكين حكومة الولاية الشمالية و الحكومة الاتحادية نصب أجهزة تفتيش و سير لتسهيل مرور العفش ؟ ….
ويلاحظ أنه حتى لا يوجد مصلى للمسافرين و لعل هذا من بديهيات و أبسط الخدمات …
هذا بإيجاز عن أرقيننا …
أما عن أرقينهم ( المصري ) فأما بنعمة ربك فحدث ….
البنية قوية و مؤسسة …
كل ساحة المعبر مرصوفة بالأنترلوك و لا يعثرك حجر أو تغبرك ذرات رمل ….
تمر أغراضك و مقتنياتك عبر السير دون الحوجة لفتحها و قفلها مرة أخرى ….
يدخل المسافر مباشرة إلى شباك المعاملات ليجد أماكن جلوسه معدة و نظيفة ليستلم جوازه الذي تم استلامه منه على متن البص مع مبلغ ( ٢٤٠ ) جنيه مصري فقط مئتين و أربعين جنيهاً اي ما ياعادل (١٦٨٠٠ ) جنيه سوداني و هو نفس المبلغ المدفوع للمعبر السوداني …..
لا تسمع غير صوت الموظف المسؤول عن توزيع الجوازات ….
لا ترى مظهراً لتزاحم و معترك العمال إلا إذا طلب المسافر ذلك ….
المكاتب نظيفة و عليها لا فتات تدلك على مكان إتمام معاملاتك دون الحاجة لسؤال و هرولة ….
يوجد بالمعبر مسجد متكامل و حمامات نظيفة و أماكن للوضوء غاب عنها مظهر الأباريق و الكرستالات ( المدفوسة ) حول الحمامات و هو المكان الوحيد الذي تجد فيه خصوصاً النساء متنفساً لقضاء حوائجهن و أداء صلواتهن…..
سألت أحد رفقائي في السفر عندما جلسنا في المعبر المصري لتكملة إجراءاتنا سؤالاً استغربه في باديء الأمر…
قلت له :
أيهما تم بناؤه أولاً ، المعبر المصري أم المعبر السوداني ؟
قال لي مازحاً أنت تقصد البيضة قبل الدجاجة و لا الدجاجة قبل البيضة لكني فهمتك هو أن المعبر المصري بني أولاً ….
قلت له أما كان للمهندس السوداني الوقوف على خارطة المعبر المصري قبل تنفيذ المعبر السوداني ؟
ضحك صاحبي وقال لي انت ملاحظاتك غريبة لكن من يسمع من يقول ؟
هل يسمعني أحد المسؤلين على مستوى الولاية الشمالية باعتبار أنها تحصل رسوم محلية من المسافرين ، و على مستوى الحكومة الاتحادية التي تحصل رسوم جوازات من المسافرين دعك عن تحصيل رسوم الورق و التصوير خارج خزينة المالية ….
ألا يستحق المواطن السوداني الاستمتاع بالخدمات الجيدة مقابل جزء يسير مما يدفعه من رسوم و جمارك في المعابر المختلفة و أرقين خصوصاً ….
اتمنى ان تجد ملاحظاتي هذه الاهتمام و تؤتي أكلها في القريب العاجل ….

الغالي الزين حمدون.
٢٠٢٥/٩/١١م
القاهرة….

من الأرشيف…..

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات