الأحد, أبريل 26, 2026
الرئيسيةمقالاتوتصدّع المليشيا.. عندما يبدأ السقوط من الداخل

وتصدّع المليشيا.. عندما يبدأ السقوط من الداخل


ليست الهزائم الكبرى تلك التي تُعلنها البيانات العسكرية، ولا تلك التي تُقاس بانسحاب قوة من ميدان أو فقدانها رقعة جغرافية، إنما الهزيمة الحقيقية تبدأ حين يتشقق الكيان من داخله، حين تتآكل العقيدة القتالية، وتضطرب القيادة، وتفقد المليشيا يقينها بنفسها. وذلك هو المشهد الذي يطلّ اليوم من قلب مليشيا آل دقلو الإرهابية؛ مشهد لا يوحي بتراجع مدروس ، ولكن بانهيار يتقدّم بخطى متسارعة.
فما يجري ليست انسلاخات فردية أو مراجعات ميدانية محدودة، وإنما هي نزيف داخلي يضرب عصب المليشيا الحي. فالتحاق كبار القادة للقوات المسلحة، وتزايد خروج أبناء الحواضن القبلية نفسها من تحت عباءة التمرد، ما كان تبدلاً في التموضع، ولكنها شهادة من الداخل على سقوط المشروع، واعتراف صامت بأن البندقية التي رُفعت على ظهر الفوضى فقدت قدرتها على البقاء.
وعندما يبدأ القادة في مغادرة الصفوف، ويتسابق حملة السلاح نحو النجاة لا المواجهة، فإن المعركة تكون قد حُسمت معنوياً قبل أن تُحسم عسكرياً وميدانياً، فالجيوش تُهزم حين تفقد الأرض ومعنويات الجند ، أما المليشيات فتنهار حين تفقد الثقة من داخلها ..
وقد جاء هذا التآكل نتيجة ضربات محسوبة، نسجها الجيش بخطة لا تكتفي بالمواجهة، بل تستهدف هندسة الانهيار نفسه. فسياسة قطع الإمداد لم تكن إجراءاً عسكرياً فحسب بقدر ما كان خنقاً ممنهجاً لشرايين البقاء، كما أن استهداف القيادات لم يكن استنزافاً للأفراد ، إنما ضرباً للرأس الذي يدير الفوضى، فيما صنعت طلعات سلاح الجو والمسيّرات واقعاً عملياتياً جديداً جعل قادة المليشيا معزولين عن قواعدهم، تائهين في فراغ القيادة، محاصرين بين نيران الميدان وارتباك القرار.
لقد نجح الجيش في ما هو أخطر من كسب المعارك والغلبة على العدو ، إذ نجح في تفكيك بنية التمرد من الداخل وزرع في نفوسهم الخوف والقلق .

  • فما قيمة مليشيا فقدت خطوط إمدادها؟
  • ⁠وما قيمة قيادة انفصلت عن مقاتليها؟
  • ⁠وما قيمة مشروع لم يعد أتباعه يؤمنون به؟
    أما سياسياً، فإن هروب قادة ما يسمى بحكومة “تأسيس” المزعومة من نيالا، العاصمة الافتراضية لمشروعهم المتهاوي، لم يكن انتقالاً تكتيكياً كما قد يُروّج، ولكنه فرارٌ سياسي مكشوف . وانكشاف مدوي لوهم الدولة الذي حاولوا تشييده فوق ركام الفوضى.
    فالسلطة التي تهرب من رمزها قبل أن تُنتزع منها، لا تواجه خصماً… إنما تواجه سقوطها.
    لقد سقطت “تأسيس” يوم غادر قادتها نيالا، لأن الكيان الذي يفرّ من عاصمته لا يؤسس دولة، بل يعلن جنازتها.
    ثم يجيء العامل الإقليمي ليضاعف الاختناق. فتعطل الدعم اللوجستي الخارجي، وانشغال الداعم بمصيره وأزماته، كشف هشاشة المليشيا التي كانت تعيش على السند أكثر مما تعيش على قوتها الذاتية. وهذه طبيعة المليشيات دائماً ، تبدو صلبة ما دام الخارج يمدّها، فإذا جفّ المورد، انكشف عريها الاستراتيجي.
    لقد انقطع عنها الوقود… فبدأ احتراقها الداخلي. وفي المقابل، تماسك الجبهة الداخلية الوطنية، وتوحّد الإرادة الشعبية خلف الدولة والجيش، حرم التمرد من آخر رهاناته ، تفكيك الداخل السوداني. فسقط الرهان، وانقلبت المعادلة.
    وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
    هل هذه مقدمات النهاية؟
    الراجح أن ما نراه ليس مقدمات… ولكنها إرهاصات سقوط يوشك أن يكتمل. فالانشقاقات عندما تتكاثر فلمًتكن يومئذ أخباراً، بل هي مؤشرات انهيار. وهروب القيادات ليست خطة وتكتيكاً ، إنما هي علامة ذعر وارتجاف .. وانقطاع الإمداد ليس أزمة طارئة ، ولكنها بداية الاختناق الأخير.
    هكذا تسقط التمردات ،
    لا بضربة واحدة، وإنما بتصدعات متلاحقة، حتى يأتي اليوم الذي ينهار فيه البناء دفعة واحدة، لأن أعمدته كانت قد ماتت منذ زمن.
    ولعل ما يتشكل الآن ليس مشهداً لتفكك مليشيا… بل مشهد اقتراب لحظة الحسم وتحقيق الوعد .
    إنها بشائر نصر لا تأتي صاخبة، ولكنها تزحف في هيئة شروخ، ثم تتحول إلى انهيار.
    وربما لم يعد السؤال: هل تنتهي الحرب؟ ولكن كم تبقّى من الوقت ليُعلن السقوط الكامل؟
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات