حين اندلعت الحرب ، كانت مؤسسات الخدمة المدنية أمام اختبار غير مسبوق ، فكان لا بد من حلول استثنائية تضمن استمرار العمل وعدم توقف دولاب الدولة ، جاء قرار مجلس الوزراء بالسماح بتسيير العمل عبر فِرق طوارئ محددة ، مع منحها امتيازات مالية نسبية ، كحل عملي فرضته الضرورة ، غير أن ما يُؤخذ على هذا القرار ، أنه وُلد ناقصًا ، بلا ضوابط كافية تضمن العدالة ، ولا تفسير واضح يحد من تحوّله إلى وضع دائم.
الطوارئ بطبيعتها حالة مؤقتة ، تُقدّر بزمن وتنتهي بانتهاء أسبابها ، لكن الذي حدث أن فرق الطوارئ تحولت ، في كثير من المؤسسات إلى واقع مستمر ، ظلّت فيه ذات الأسماء تؤدي الأدوار ذاتها ، وتحظى بالامتيازات نفسها ، بينما بقي بقية العاملين خارج هذا الإطار ، يتابعون من بعيد ، وقد تملّكهم شعور متزايد بالغبن وعدم الإنصاف ،
كان من الأجدر منذ لحظة صدور القرار ، أن يُربط بآلية إحلال وإبدال واضحة ، تتيح تداول الفرص بين الموظفين ، فمثلًا أن يتم تغيير فرق الطوارئ كل ستة أشهر ، أو وفق دورة زمنية محددة متفق عليها ، بما يحقق قدرًا من العدالة ويُشعر الجميع بأنهم شركاء في تحمل أعباء المرحلة ، لا متفرجون على امتيازاتها.
ثم جاءت مرحلة العودة من العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان الى الخرطوم ، وكان يُنتظر أن تُراجع القرارات الاستثنائية ، وأن يُعاد النظر في جدوى استمرار نظام الطوارئ بذات الصيغة ، لكن ما حدث بحسب ما يتردد في أوساط العاملين ، أن القرار استمر كما هو ، بنفس الفرق ونفس الامتيازات ، دون فتح الباب لغيرهم أو مراعاة لتغير الظروف ، هذا الاستمرار غير المبرر خلق حالة من الاحتقان داخل الخدمة المدنية ، فالشكاوى التي تتردد ، من مؤسسات مختلفة ، تشير إلى شعور عام بعدم الرضا ، وإحساس بأن العدالة الإدارية غابت ، وأن مبدأ تكافؤ الفرص تم تجاوزه لصالح قلة محددة ، ومثل هذا الشعور إن تُرك دون معالجة ، لا يهدد فقط الروح المعنوية للعاملين ، بل ينعكس سلبًا على الأداء العام للمؤسسات ، القضية هنا ليست في مبدأ الطوارئ ذاته ، بل في كيفية إدارته ، فالقرارات الاستثنائية يجب أن تُصاغ بدقة ، وأن تُرفق بآليات مراجعة وتقييم ، حتى لا تتحول إلى باب للتمييز أو مدخل لخلل إداري يصعب إصلاحه لاحقًا.
اليوم الكرة في ملعب صانع القرار ، فإما أن تُراجع هذه السياسات ، بإيقاف العمل بنظام الطوارئ حيث انتفت الحاجة ، أو بإعادة تنظيمه على أسس عادلة وشفافة ، تتيح المشاركة وتمنع الاحتكار ، وإما أن يستمر الوضع كما هو ، بما يحمله من غبن مكتوم قد يتحول إلى أزمة صامتة داخل مؤسسات الدولة ، فالعدالة حتى في أصعب الظروف ، ليست من الشكليات… بل شرطًا لبقاء الدولة نفسها… لنا عودة.
