الأحد, أبريل 12, 2026
الرئيسيةمقالاتوجه الحقيقة ...

وجه الحقيقة قرار يدخل البيوت بلا استئذان… د/إبراهيم شقلاوي

رفعت الحكومة السودانية أمس سعر الدولار الجمركي إلى 3,222 جنيهًا مقارنة بـ 2,827 جنيهًا في السابق بنسبة 14٪، في وقت يستمر فيه الدولار في السوق الموازي بالاقتراب من 4,000 جنيهًا. ويأتي هذا القرار في سياق اقتصادي وسياسي شديد التعقيد، يتداخل فيه أثر الحرب مع تراجع القدرة الشرائية للمواطن، واتساع الفجوة بين الواقع المعيشي ووعود حكومة الأمل المتعلقة برفع المعاناة عن كاهل المواطن ودعم معاش الناس.

في ظاهر المشهد، يبدو القرار إجراءً ماليًا منتجا ، لكنه في السوداني يتحول سريعًا إلى حدث اجتماعي موثر . من المعلوم ان الاقتصاد لا يقف عند حدود الإجراءات و الأرقام ، بل يمتد مباشرة إلى تفاصيل الحياة اليومية.

فكل تغيير في تعريفة جمارك الاستيراد ، ينعكس مباشرة على السوق، ثم على البيت، ثم على قدرة الناس الشرائية وعلى تلبية احتياجاتهم الأساسية.

ما يلفت الانتباه ليس فقط ارتفاع الرقم، بل توقيته وسياقه. فالمواطن السوداني الذي يواجه ضغط الحرب، وتآكل الدخل، وارتفاع الأسعار، يتلقى هذا القرار باعتباره حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الضغوط المتراكمة جراء الحرب . وهنا تتشكل الحالة الأكثر تأثيرا : شعور عام بأن كلفة الاستقرار أو إدارة الدولة في هذا التوقيت تُعاد صياغتها تدريجيًا لتستقر في نهاية المطاف على كاهل المواطن الذي لا استطاعة له .

في هذا السياق، لا يعود السؤال مرتبطًا بتفسير القرار، بل بمدى انسجامه مع الخطاب الرسمي الذي قدّمته الحكومة في الموازنة العامة للعام 2026 وما رافقها من وعود بتخفيف أعباء المعيشة ودعم المواطنين. فبين خطاب “دعم معاش الناس” وواقع “تسعير الحياة صعودًا”، تتسع فجوة حقيقية مؤثرة، لا تقاس فقط بالاقتصاد، بل بالثقة بين المواطن والدولة.

هذه الفجوة ليست مالية فحسب، بل هي فجوة في الإحساس العام بالتناغم. إذ يجد المواطن نفسه أمام رسائل متناقضة: وعود بالتخفيف من جهة، وقرارات تزيد الضغط من جهة أخرى. ومع تكرار هذا النمط، يتراجع الإحساس بأن هناك رؤية واحدة تدير الدولة ، ليحل محلها انطباع بأن القرارات تأتي من مسارات متعددة لا تلتقي دائمًا عند نقطة واحدة.

يكشف هذا القرار عن طبيعة الدولة في لحظة الحرب، حين تصبح الأولويات موزعة بين إدارة الأزمة الأمنية، وضبط الاقتصاد، وتسيير الحياة اليومية في ظل موارد محدودة وضغوط متزايدة. اذ، لا يكون التحدي في القرار ، بل في قدرة الدولة على تقديم صورة متماسكة لسياساتها، بحيث لا يشعر المجتمع بأن كل قطاع يتحرك بمعزل عن الآخر.

لكن الأثر الأكبر يظل اجتماعيًا بالدرجة الأولى. فارتفاع كلفة الاستيراد لا يبقى شأنًا تجاريًا، بل يتحول سريعًا إلى ارتفاع في أسعار الغذاء والدواء والمواصلات، والتعليم ، أي في العناصر التي تشكل جوهر الحياة اليومية.

ومع استمرار هذا النمط، تتآكل القدرة الشرائية تدريجيًا، ويتسع الشعور العام بأن الحياة نفسها أصبحت أكثر كلفة، وليس هناك قدرة على الاحتمال.

ورغم تباين القراءات، بين من يرى في رفع الدولار الجمركي محاولة لتقريب السعر الرسمي من الواقع الموازي وتقليل التشوه النقدي، ومن يراه زيادة رأسية تعيد إنتاج التضخم وتضغط على المجتمع دون حماية كافية، فإن القاسم المشترك بين هذه القراءات هو أن كلفة القرار تنتقل سريعًا إلى المجتمع، باعتباره الحلقة الاضعف و الأكثر هشاشة في سلسلة الاقتصاد.

قبل أن يتحول هذا الإجراء إلى واقع يصعب احتواؤه، تبدو مراجعة القرار ضرورة عاجلة، مراجعة لا تعني التراجع بقدر ما تعني إعادة تقدير التوقيت والأثر، ومواءمة القرار مع القدرة الفعلية للمجتمع على الاحتمال. فالإدارة الرشيدة في مثل هذه التوقيت لا تُقاس بصلابة القرار، بل بمرونته وقدرته على التصحيح، حين يكون أثره ممتدًا إلى تفاصيل معاش الناس .

بحسب #وجه_الحقيقة ، فإن ارتفاع الدولار الجمركي يحول المرحلة الي واقع مأزوم، تتقاطع فيه الحرب مع الاقتصاد، وتتداخل فيه الضرورات مع السياسات، وتتحرك فيه القرارات لتدخل بيوت الناس بلا استئذان. لذلك يُقاس وجود الدولة بمدى قدرتها على ضبط المسافة بين ما يُصاغ في المكاتب وما يُعاش في البيوت. وحين تتقلص هذه المسافة إلى حد الاختناق، يصبح كل قرار اقتصادي، حدثًا اجتماعيًا كامل التأثير، يعيد تشكيل الحياة.
دمتم بخير وعافية
الأحد 12 أبريل 2026 م Shglawi55@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات