ثمة رجال لا يُعرَّفون بأسمائهم فقط، بل بما يتركونه في القلوب من أثر، وما يغرسونه في الذاكرة من مشاهد لا تشيخ. وحين يرحلون، لا يغيبون تمامًا، بل تتناثر ملامحهم في تفاصيل الأمكنة، في منصات المعارض، في صوت المايكروفون، وفي دهشة البدايات.
رحل محمد عبد الرحمن همشري… ذاك المبدع السوداني المسكون بحب الناس والوطن، رجل كان يتنفس إبداعًا في مجال تنظيم المعارض ، كأنما خُلق ليمنح الفعاليات روحها، ويمنح الحضور سببًا إضافيًا للدهشة.
عرفته منذ سنواتٍ طويلة خلت، في فعالية لرابطة طلاب الصحافة بجامعة القاهرة – الفرع، يومها كان الإبداع يفيض من كل زاوية، وكان الفنان خالد الصحافة ينسج بصوته لوحة من الطرب الأصيل. وبينما كنت أتشجع وأمسك بالمايكروفون، معلنًا دعوة أهل الحي للمشاركة، باغتني صوت جهوري:
“إنت مذيع؟”
أجبته بثقة المرتبك: “لا… لكني أدرس الإعلام في جامعة أم درمان الإسلامية”.
التفتُّ، فإذا بوجهٍ أسمر، شاربٍ كثيف، وعينين غائرتين كأنهما تبحثان في بحرٍ لُجّي عن فكرة جديدة أو اكتشاف مختلف. كان ذلك همشري… أول لقاء، لكنه لم يكن عابرًا.
تبادلنا التحايا، وأعطاني رقم هاتف المكتب وعنوانه، وطلب مني الحضور. لم أتردد. وحين ذهبت، وجدته برفقة المبدع عبدالرحمن محمد عبدالرحمن، وكانت تلك بداية رحلة. طلبا مني تقديم مسابقة خلال حفلات الراحل محمود عبد العزيز، ومن هناك بدأت تجربة عملية صقلتني، ومنحتني فرصة الوقوف وسط جمهور يعرف كيف يحتفي بالجمال.
عملت معهم فترة، ثم تباعدت بنا الطرق قليلًا، لكن اللقاءات لم تنقطع. كان همشري حاضرًا في البرامج والمعارض، في كل مساحة تحتاج إلى روح مبتكرة وعقل منظم. لم يكن مجرد منسق فعاليات، بل كان صانع مشهد، يقرأ الجمهور، ويعيد ترتيب التفاصيل لتخرج الصورة كما يجب… بل كما ينبغي أن تكون.
وأظل أذكر له، بامتنانٍ لا ينطفئ، مبادرته الكريمة في تنظيم برنامج تدشين كتابي “المسؤولية الاجتماعية… نظرية اتصال ومواصفة عالمية”. يومها لم يكن يؤدي واجبًا مهنيًا، بل كان يحتفي بفكرة، ويؤمن بأن المعرفة تستحق أن تُقدَّم في أجمل صورة.
همشري… أبو التومات، المرهف حدّ الشفافية، كان مهمومًا بالوطن، يعمل في صمت، ويجتهد في أصعب الظروف، يحاول أن يزرع فسحة أمل وسط أوقات حرجة، حيث تصبح الفعالية فعل مقاومة، ويغدو التنظيم رسالة تتجاوز الشكل إلى الجوهر.
رحل في هدوء، كما عاش… دون ضجيج، ودون أن يطلب شيئًا من أحد. ولم أعلم برحيله إلا اليوم، عبر نعيٍ للأستاذ الكبير صلاح عمر الشيخ، فكانت الصدمة بقدر المحبة، وكان الحزن بعمق الذكريات.
رحم الله همشري… فقد كان من أولئك الذين يمرون في حياتنا ليتركوا أثرًا لا يُمحى، ويغادرون وقد أتموا دورهم في صناعة الجمال، بصبر العاشقين، وإخلاص النبلاء.
سلامٌ عليه يوم أبدع، ويوم أعطى، ويوم رحل… ويوم نلقاه في ذاكرة لا تنسى. وانا لله وانا اليه راجعون.
الخرطوم في يوم الجمعة 10 أبريل 2026 م.
