جاءت استجابة السيد وزير الثروة الحيوانية والسمكية، البروفيسور المنصوري، لمناشدتنا بضرورة الالتفات لثروةٍ مهدرة طالما نزفت على أرصفة الإهمال ، في وقت حراكٍ وطنيٍّ ينم عن وعيٍ عميق بمقتضيات المرحلة، وتفاعلٍ يجسد روح المسؤولية تجاه مواردنا القومية، وهي “جلود الأضاحي”. هذه الاستجابة التي تبلورت في قيام ورشة العمل المتخصصة لمجابهة هدر الأضاحي ضمن سلسلة (زيرو هدر)، فقد كانت انحيازاً صريحاً للعقل والمنطق الاقتصادي والبيئي.
إن سعادتي بهذا التفاعل لا تنبع من مجرد تلبية نداء، ولكن ، لأن قضية جلود الأضاحي تمثل تقاطعاً فريداً لثلاثة أبعاد جوهرية، قلّما تجتمع في مورد واحد:
- البُعد التعبدي (تعظيم الشعائر): إن هذه الأضاحي ليست مجرد ثروة مادية، بل هي قرابين نتقرب بها إلى المولى -عز وجل- شكراً وطاعة، وإحياءً لسنة أنبيائه. وتعظيم هذه الشعائر يقتضي صون كل جزء منها، فإكرام الأضحية بتمام الاستفادة منها هو من تمام تعظيم شعائر الله، وترك جلودها للهدر والفساد يتنافى مع أدب التعامل مع القربان.
- البُعد الاقتصادي (شريان الصناعة): تمثل هذه الجلود رافداً إقتصادياً استراتيجياً لم يمكن استغلاله بالشكل الأمثل. فالعناية بها، ودبغها وفق معايير الجودة، ثم رفد سوق المصنوعات الجلدية بها، كفيلٌ بتحويل “النفايات المفترضة” إلى “عملات صعبة” ومنتجات وطنية تضاهي العالمية، مما يصب مباشرة في مصلحة الاقتصاد القومي المتطلع للنهوض.
- البُعد البيئي (درء المخاطر): كما لا يخفى على بصير ما تسببه تلك الجلود حين تُلقى على قوارع الطرق وفي مكبات النفايات من تلوثٍ بصري وبيئي حاد، لتصبح بؤراً للأوبئة ومصدراً للروائح الكريهة التي قد تفضي إلى كوارث صحية. لذا، فإن استثمارها هو في جوهره عملية “إصحاح بيئي” كبرى .
إن هذه الورشة تضعنا أمام ميثاقٍ وطني جديد، تتقاسم فيه الوزارة والمجتمع الأدوار؛ فعلى عاتق الوزارة يقع عبء الجانب اللوجستي والتنظيمي عبر تحديد نقاط تجميعٍ معلومة في الأحياء، وتهيئة المواعين والوسائل الفنية لاستقبال هذه الجلود ومعالجتها أولياً. أما المواطن، فهو الشريك الاستراتيجي واللاعب الأساسي؛ إذ عليه أن يعي أن مساهمته في تسليم الجلد سليماً في مكانه المخصص، هي فعلٌ وطني وتعبدي في آنٍ واحد. إنها شراكةٌ مثمرة تنهي عهود “الهدر” وتؤسس لمرحلة “الاستثمار الأمثل”.
عليه نزجي أسمى آيات التقدير والتحية للسيد وزير الثروة الحيوانية والسمكية، البروفيسور المنصوري، على هذا الألق في الاستجابة، وهذا التفاعل الذي يحيي الأمل في قيادةٍ تسمع وترى وتفعل. تمنياتنا له ولطاقمه بالتوفيق في تحويل مخرجات هذه الورشة إلى واقع ملموس، لتبقى أضاحينا شعيرةً نُعظمها، وثروةً نحميها، وبيئةً نصونها.
