الخميس, أبريل 9, 2026
الرئيسيةمقالاتوجه الحقيقة ...

وجه الحقيقة حكايةسد مروي… استهداف الثقة د/ ابراهيم شقلاوي

بدأت الحكاية من هامشٍ صغير في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث خرجت إشاعة تقول إن مهندسين سودانيون أُقصوا من أعمال صيانة في سد مروي لصالح شركة صينية تم التعاقد معها.

بدت للوهلة الأولى كخبر فني قابل للأخذ والرد وربما التصديق، لكنها سرعان ما اتسعت لتصبح رواية مكتملة، تُلامس شعورًا بالقلق على ما تبقى من مؤسسات الدولة. سريعاً جاء النفي الرسمي عبر شركة الكهرباء القابضة، مؤكدًا عدم صحة الإدعاء، ومشددًا على كفاءة الكوادر الوطنية.

غير أن ما حدث بعد النفي كان أكثر دلالة من الإشاعة نفسها: فالرواية لم تمت، بل استمرت في التداول، وكأنها تعبّر عن حاجة نفسية جماعية لتصديقها، مع شعور أنها عمل آلة إعلامية تستثمر في الاجواء المحتقنة.

هنا لا يعود السؤال: هل الإشاعة صحيحة أم لا ؟ بل: لماذا بدت قابلة للتصديق أصلًا؟ في هذا المقال، نسعى معك، عزيزي القارئ، لتفكيك هذه الظاهرة وفهم خلفياتها، حتى تتضح الصورة كاملة.

في زمن الحرب، تتغير وظيفة الخبر. لا يعد مجرد نقل للوقائع، بل يصبح أداة لإعادة ترتيب الرأي العام. والإشاعة التي استهدفت سد مروي لم تكن بريئة في بنيتها، إذ ضمّت ثلاث رسائل في آنٍ واحد: أن الكفاءة الوطنية موضع شك، وأن إدارة مورد استراتيجي قد انتقلت ضمنيًا إلى الخارج، وأن الدولة في جانب الخدمات لم تعد تمسك بكامل أدواتها. هذه عند أهل السياسة تعتبر مفاتيح لإعادة تعريف صورة الدولة في ذهن مواطنيها.

والأخطر في الأمر أن هذا النمط من الاستهداف غادر مجاله التقليدي. فالدعاية المضللة، التي كانت تدور غالبًا حول الجبهات العسكرية أو الصراعات السياسية، وجدت طريقها الآن إلى المشاريع التنموية. وهذا انتقال نوعي يوجب الإنتباه، لأن استهداف الأمن يُربك الدولة، أما استهداف التنمية فيُربك المجتمع. حين يُشكك الناس في الكهرباء والماء والخدمات، فإن الشك لا يتوقف عند حدود الخدمة، بل يمتد إلى فكرة الدولة ككل.

في المقابل، تقف الوقائع شاخصة. سد مروي لم ينهَر، ولم يخرج عن الخدمة، بل لا يزال ينتج قرابة 980 ميغاواط عبر ثماني وحدات تعمل بكفاءة. الوحدتان المتوقفتان أصابهما ضرر مباشر في المحولات نتيجة استهداف بالطائرات المسيّرة، إبان عدوان مليشيا الدعم السريع وهو ضرر قسري لا علاقة له بقدرة المهندسين ولا بسلامة التصميم. لكن هذه الحقائق، تبدو أقل جاذبية من الرواية الدرامية التي تصوغ المشهد باعتباره انهيار.

المفارقة المؤلمة أن جوهر الأزمة لا يقيم في التوليد أصلًا، بل في ما بعده. فشبكات النقل والتوزيع، التي تعرضت لتدمير واسع في مواقع حيوية، هي التي تعيق وصول الكهرباء إلى الناس. وهنا يتشكل الانفصال بين الحقيقة والتجربة: الدولة تقول إن الإنتاج قائم، والمواطن يرى أن النور غائب. بين هذين المستويين، تولد الشائعات وتجد لنفسها أرضًا خصبة.

أما التعاون مع الشركات الأجنبية، فيأتي كاستجابة طبيعية لحجم الضرر الذي يتطلب معدات معقدة وتمويلًا كبيرًا وزمنًا للتصنيع. غير أن هذا التعاون، في بيئة مشبعة بالشك، يُعاد تفسيره بوصفه تنازلًا لا شراكة، وإقصاءً لا دعمًا. وهنا تتبدى هشاشة السردية الرسمية، لا في ضعفها، بل في تأخرها عن مواكبة المعنى الذي يتشكل في ذهن الجمهور.

سياسيًا نحن أمام طبقة أعمق من الأزمة: ليست فقط في إدارة قطاع حيوي تأثر كثيرًا بتداعيات الحرب ، بل في إدارة “معنى” هذا القطاع. فالدولة التي لا تشرح ما يحدث، تترك الآخرين يشرحونه بدلًا عنها. وفي زمن تتكاثر فيه المنصات وتتسارع فيه الأخبار، يصبح الصمت أو التأخر في التوضيح نوعًا من التنازل غير المعلن عن حق صياغة الرواية الحقيقية.

ومن زاوية أوسع، تكشف هذه الواقعة عن صراع على تعريف الدولة، في هذه المرحلة: هل هي دولة تتآكل أم دولة تقاوم؟ الحقيقية ، أكثر تعقيدًا من الخيارين. هناك تآكل في بعض المفاصل، نعم، لكن هناك أيضًا صمود في مفاصل أخرى، وسد مروي أحد أبرز هذه المفاصل التي ما تزال تعمل رغم كل ما أصابها من استهداف والدليل انتاجه الذي يغطي الحوجة في غياب كامل لمعظم محطات التوليد الحراري عن الخدمة.

إذا انتقلنا من الرواية إلى الواقع، تتضح الصورة أكثر قسوة. فالأزمة في قطاع الكهرباء اليوم لا تنحصر في أعطال فنية، بل ترتبط بخسائر جسيمة في منظومة النقل والتوزيع، حيث فقدت الشبكة محولات ومعدات استراتيجية في محطات حيوية مثل الخرطوم شرق، والسوق المحلي، وعفراء، والشجرة، والمقرن، ومقابر فاروق، نتيجة اعتداءات مباشرة.

هذه الاستهداف المتعمد ترك مناطق واسعة، من شارع النيل حتى جنوب الصحافة، ومن المقرن إلى المنشية والجريف والمعمورة، بلا كهرباء. ومع ذلك، تمكن مهندسو الكهرباء بجهود جبارة من إعادة تأهيل محول المقرن وتمديد خطوط بديلة من سوبا، ما أعاد التيار جزئيًا وحرك شريان الخدمات في بعض الأحياء. هذا فضلا عن ام درمان وبحري وغيرها.

لكن الواقع أعمق من ذلك، فهو نتاج تراكمات سياسية سبقت الأزمة الحالية. فقد أُنفقت موارد ضخمة في التسويات غير مبررة ، مثل دفع 335 مليون دولار تعويضات لأسر ضحايا هجمات السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، إبان حكومة د. عبد الله حمدوك في إطار اتفاق رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بينما كان بالإمكان توجيه هذه الأموال لتطوير قطاع الكهرباء، وزيادة قدراته في التوليد والنقل.

كما أن سياسات ما يُعرف بـمحاربة التمكين أسفرت عن تشريد عدد من المهندسين المؤهلين، وإهدار سنوات من التدريب والتأهيل، ما ترك فجوة حادة في الخبرات الوطنية، وأضعف قدرة القطاع على الاستجابة للأزمات.

هكذا تتقاطع الحرب مع إرث السياسة لتصوغ واقعًا هشًا، لا تكفي الإشاعات لتفسيره ولا بيانات النفي لمعالجته. المطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات، وتنمية الكفاءات، وتحصين المشاريع التنموية من التجاذبات التي تُضعفها. فالمعركة حول سد مروي معركة ثقة : أن يصدق المواطن ما يُقال، لأنه يراه واقعًا، وأن يشعر بأن الدولة ما تزال ممسكة بمسؤولياتها.

في النهاية، وبحسب #وجه_الحقيقة قد تنجح الفرق الهندسية في إعادة التيار خلال ساعات، لكن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى زمن أطول، وإلى صدقٍ أكبر، وإلى خطابٍ يرى الناس فيه أنفسهم لا مجرد أرقام . فالدول لا تُهزم فقط حين تنطفئ محطاتها، بل حين تنطفئ ثقة مواطنيها فيها.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 9 أبريل 2026 م Shglawi55@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات