في كدباس، حيث ينحني النيل كسبحةٍ خاشعة تحيط بالقرية من جهاتها، يبدأ النهار على إيقاع مختلف. مع أول خيط ضوء، يرتفع صوت طلاب الخلاوي بتلاوة القرآن، صافياً كنسيم الفجر، متصاعداً نحو السماء كأنه دعاء جماعي لا ينقطع. هنا، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بعدد الختمات، وبخطوات القادمين إلى حلقات الذكر.
المسجد في قلب كدباس ليس مجرد بناء، بل روح نابضة؛ تتجاور فيه حلقات التحفيظ، ويتردد فيه الذكر، وتتلاقى فيه وجوه من القرى المجاورة، بل ومن أماكن بعيدة، كأن المكان نقطة جذب روحي لا تُقاوم. في مواسم الزيارات، تمتلئ الاستراحات بالوفود، وتتعالى الحركة، فتغدو القرية كخلية نحل، يجتمع فيها الزهد والكرم في مشهد واحد.
في كدباس، يُكرم الضيف كما يُكرم طالب العلم، يُغدق عليهما بلا حساب، بينما يعيش الشيخ وأهله في بساطة تكاد تدعو للدهشة. هذا التناقض الجميل بين البذل والزهد هو ما يمنح المكان فرادته.
وعندما تلتقي بالشيخ محمد، شيخ القادرية، تشعر أنك تخطو إلى بحر من الصفاء. في مضيفته، تستقبلك نفسٌ سمحة، وحديث خصيب، ولسان لا يفتر عن الذكر والدعاء. حضوره يضفي طمأنينة عميقة، وقوة هادئة، وخشوعاً يتسلل إلى القلب دون استئذان.
كدباس ليست مجرد قرية؛ إنها حالة روحية مكتملة—أرض للصفاء، ومقام للذكر، وملاذ للقوة والخشوع.
