الأربعاء, أبريل 8, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة ذكـرى تُثقِلها المآسي… وخطاب بلا رمزية نايلة علي محمد الخليفة

يُحكى أن رجلًا عربيدًا سكّيرًا ، اعتاد اقتراف المحرّمات بلا حياء ، حتى ضاق به أهله ذرعًا ، وتبرأ منه والده على مرأى من الناس ، فهجر قريته إلى أخرى ، هناك لبس ثوب المثقف والمرشد ، وخدع الناس بمظهره وحديثه ، حتى قدّموه يومًا ليخاطب حشدًا بحضور مسؤول كبير ، لكن ما إن وقعت عيناه على ذلك المسؤول ، وكان من قريته الأولى ويعرف ماضيه حتى ارتبك ، فادّعى حاجته إلى دورة المياه ، ثم اختفى كأن الأرض ابتلعته ، تاركًا الحاضرين في دهشة وتساؤل.

هذه الحكاية تُجسّد أزمة الادعاء حين يُواجه بالحقيقة ، وتكشف كيف ينهار الخطاب حين يفقد سنده الأخلاقي ، أو حين يُنتزع من سياقه الطبيعي ، وهي ذات المفارقة التي نستحضرها اليوم عند استدعاء ذكرى ما عُرف بثورة ديسمبر ، بخطابٍ لا يُحسن قراءة الواقع ، ولا يختار رمزيته بعناية.

لم تعد ذكرى ما عُرف بثورة ديسمبر تُستدعى في الوجدان السوداني بوصفها لحظة مجد ، بل كعنوانٍ لسلسلةٍ ممتدة من المآسي التي قادت البلاد إلى حافة الانهيار ، فبدل أن تكون مدخلًا للاستقرار ، تحوّلت إلى بوابةٍ للفوضى ، فتحت الطريق أمام الحروب ، والنزوح واللجوء ، وتمزيق النسيج الاجتماعي ، هذه الذكرى لم تُمحَ من الذاكرة لتبِعاتها المُرة ، لكنها سقطت من مقام الاحتفاء إلى خانة الألم الثقيل ، لذلك لم يكن مستغربًا أن تمر باهتة ، لا يستدعيها إلا القلة على استحياء ، أو حين تُفرض عليهم عبر خطاب رسمي ، كخطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان من أمام القيادة العامة ،
غير أن الإشكال لم يكن في التذكير بالذكرى بقدر ما كان في كيفية تقديمها ، فالموقع الذي اختير لإلقاء الخطاب جاء خاليًا من الدلالات التي تلامس وجدان الناس في هذه المرحلة الحرجة ، كان يمكن بل كان ينبغي ، أن يقف البرهان في مكان آخر ، حيث المعنى أصدق والرسالة أبلغ عند مقابر شهداء القيادة العامة في معركة الكرامة ، أو مقابر شهداء سلاح المهندسين بأمدرمان ، أو شهداء سركاب ، اوشهداء الإشارة وسلاح المدرعات هناك ، حيث سُطّرت التضحيات بدماء جنود القوات المسلحة والقوات المساندة من جهاز الأمن والشرطة ، كان يمكن للخطاب أن يستمد قوته من الأرض نفسها ، من صمت القبور الذي يتحدث أكثر من أي كلمات ، أولئك الشهداء لم يكونوا مجرد أرقام في بيانات عسكرية ، بل كانوا عنوانًا لمعركة وجود ، فلولاهم ماكان البرهان ليقف وقفته ، كانوا درسًا سيخلده التاريخ في معاني الفداء والانتماء.

إن غياب هذه الرمزية في خطاب البرهان يُعد سقطةً بروتوكولية يُلام عليها مستشاروه ، فالمعركة الحالية التي يخوضها الشعب السوداني ضد المليشيا ما كانت لتكون لولا الإفرازات السالبة لما سُمّي بثورة ديسمبر ، والوفاء لهؤلاء الشهداء يقتضي تثبيت المعاني التي استشهدوا من أجلها ، لا الاكتفاء باستدعاء ذكرى مثقلة بالمرارات في مواقع لا تحمل ذات الثقل الرمزي ، فديسمبر والقوى التي تتعاطى معها ، باتت تُستدعى على استحياء ، إذ أصبحت هذه القوى ، في نظر قطاعات واسعة من الشعب ، محل رفض واستهجان ، بعد أن باركت انتهاكات المليشيا وغضّت الطرف عن محازرها بحق الشعب ، هذا الموقف عمّق الفجوة بين الخطاب والواقع ، وطرح تساؤلات مشروعة حول المواقف الأخلاقية من معاناة السودانيين ، فالصمت في مثل هذه اللحظات لا يُقرأ حيادًا، بل يُفسَّر لدى كثيرين ، كشراكة غير معلنة.
وبين هذا وذاك يبقى المشهد السوداني محمّلًا بجراح تلك الذكرى التي يُراد لها أن تُستدعى ، لكنها ترتبط في أذهان كثيرين بالألم ، مقابل واقعٍ جديد تُكتب فصوله معركة الكرامة بدماء الشهداء الذين قدّموا نموذجًا مختلفًا في التضحية ، لذلك فإن أي محاولة لإحياء هذه الذكرى بمعزل عن سياقها الحالي ، ودون استحضار التضحيات التي تُقدَّم اليوم ، تبدو محاولة منقوصة ، تفتقر إلى الصدق والاتساق ، فالتاريخ لا يُكتب بالخطابات السياسية ، بل بالمواقف الشجاعة ، ولا تُخلّد ذكرياته إلا حين ترتبط بما يعيشه الناس من حقائق.

في سودان اليوم والمستقبل ، الحقيقة الأبرز ليست في ذكرى مضت ، بل في دماء سالت وما تزال ، وفي شهداء صنعوا معنى مختلفًا للكرامة في معركة الكرامة… معنى لا يحتمل الخطأ في قراءته ولا التهاون في رمزيته… لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات