الثلاثاء, أبريل 7, 2026
الرئيسيةمقالاتصراع المصالح بين الجيش والمدنية

صراع المصالح بين الجيش والمدنية

زين العابدين صالح عبد الرحمن

أن صراع القوى المدنية و الجيش أو السلطة الحاكمة، هو صراع تاريخي في مسار و تطور الصراع السياسي في السودان إذا كان في الدولة السنارية أو في المهدية التي أشار إليها الدكتور عبد الله علي إبراهيم في كتابه ” الصراع بين المهدي و العلماء” و من بعده صراع الخليفة عبد الله التعايشي مع مجتمعه كما ورد في مذكرات يوسف مخائيل التركية و المهدية” هو صراع بين قوى تقليدية و قوى ناشئة جديدة في مراحل مختلفة.. و عندما قدم السيد عبد الله خليل السلطة في طبق من ذهب إلي قيادة الجيش كان ينطلق من ذات المفهوم صراع بين القوى الحديثة و التقليدية، مع العلم أن عبد الله خليل هو تربية المؤسسة العسكرية، التي كانت تمثل جزء من القوى الحديثة و التي تملك أداة القوة في مواجهة الطائفية و القوى الأخرى.. هذا الصراع في المجتمع كان بهدف السيطرة على السلطة في البلاد، و أخذ طرق متعددة لكن دائما كان المنتصر الذي يستطيع أن يطفف ميزان القوة..

ثورة ديسمبر 2018م التي اسقطت نظام الإنقاذ في 11 إبريل 2019م، استطاعت أن تبرز الصراع بصورة حادة، و أتخذ طابع المواجهة بين العسكريين و المدنيين بدلا من أخذ طريق الحوار لكي تنزع عنه فتيلة العنف.. و لكن فشلت النخبة السياسية في قراءة الواقع و الاختلالات التي حدثت في ميزان القوى من جانب. و الجانب الأخرى فشل عقدة الإسلاميين.. حيث نجد أن الإسلاميين ” عضوية المؤتمر الوطني” لم يعترفوا بإن ثورة ديسمبر هي التي اسقطت نظام حكمهم، بل سموه انقلاب عسكري نفذته مجموعة العسكريين في اللجنة الأمنية.. و هي نفس رؤية الحزب الشيوعي، الخلاف فيهما أن الحزب الشيوعي يعتقد أن الثورة أسقطت نظام الإنقاذ، و لكن اللجنة الأمنية للنظام هي التي قبضت على مفاصل السلطة.. و الإسلاميون بقولهم انقلاب لا يريدون الاعتراف بأن القوى المدنية في الشارع هي التي أسقطت النظام، حتى يؤكدوا لأنفسهم؛ أنهم وحدهم الذين يمثلون التيار المدني العريض في المجتمع.. لذلك نجد أن الكل يحاول أن يهرب من الاعتراف بحقيقة الصراع، و الاعتراف من يملك توازن القوى الذي كان سببا في التغيير السياسي..

كما ذكرت في عدد من المقالات سابقا، أن الشخصيتان اللتان كانتا مدركتين لطبيعة الصراع السياسي، هما البروفيسور فاروق محمد إبراهيم و الدكتور أمين مكي مدني، في اعتقادهما أن الأحزاب السياسية السودانية تعاني حالة من الضعف، و لأسباب عديدة منها طول فترات النظم الشمولية، و التي كانت قد سحبت كثيرا من رصيد الثقافة الديمقراطية الذي كان في البلاد رغم ضعفها، و في نفس الوقت لم تكن هناك أية مجهودات من أجل إصلاح هذه الأحزاب، أو تطبيق شعارات الديمقراطية التي ترفعها داخل مؤساتها الحزبية.. لذلك كان اعتقادهما لا يمكن الإصلاح في الأحزاب، إلا إذا كانت هناك مؤسسات منافسة تستطيع أن تستوعب قطاع واسع من القوى الحديثة تخلق به قوى عريضة منظمة تحمل هي شعارات التغيير و الديمقراطية، و كانت رؤيتهما أن هذه القوى الحديث تؤسس مواعينها داخل السودان.. لكن الذي حدث بعد ذلك؛ أن القوى المدنية التي تأسس تحت تنظر النفوذ الخارجي في عدد من العواصم نيروبي و كمبالا و غيرها حيث كانت تقام الورش و الندوات.. كان أثرها ضعيفا في القطاع الجماهيري، و أيضا في رفد الثقافة الديمقراطية التي كان من المفترض تربط النظري بالعملي، و الذي لم يحدث حيث أصبحت كل منظمة مغلقة على فئة بعينها، و تم أختيارها تحت نظر القوى الداعمة لنشاطاتها، الأمر الذي جعل المعاناة مستمرة، و حتى توازن القوى الذي كان قد تخلق أثناء الثورة خسرته القوى السياسية بقصر نظرها. بعد الحرب أصبحت الدعوة للمدنية شعار و ليس مجهود ممبذول في الواقع يستهدف استقطاب قطاع واسع من الجماهير، لآن الوصول لمدنية السلطة يحتاج إلي معادلات سياسية جديدة في المجتمع.. و تحتاج إلي تغيير في جدول الأولويات.. هذه المسألة تحتاج إلي أن يكون التفكير بواقعية و ليس شعارات تطلق في الهواء..

المؤسسة العسكرية نفسها تحتاج إلي تفكير عقلاني في المسألة السياسية في البلاد، بعيدا عن ممارسة عمليات الاستقطاب و الدخول في صراعات، فالمسألة تحتاج إلي تفكير عقلاني.. و الإجابة على أسئلة مهمة جدا أن المؤسسة العسكرية حكمت البلاد فترات طويلة لماذا فشلت في تأسيس دولة مستقرة و ناهضة.. هناك عديد من الدول حكمت بالعسكريين و لكنها استقرت سياسيا و نهضت اقتصاديا مثلا لذلك منها ” فرنسا في عهد شارل ديجول و كوريا الجنوبية في عهد بارك تشونغ و الجزائر أحمد بن بلة و بومدين إلي تبون و رواندا في عهد بول كاغامه الحاكم الآن” لماذا في السودان فشلت القيادات العسكرية في قضايا الأمن و النهضة الاقتصادية و الاستقرار السياسي، حتى أصبح السودان من أفقر الدول في العالم، و أصبح هامش دول الهامش في أفريقيا؟ هذه مسألة بالفعل تحتاج إلي إجابات.. و إثارتها ليست للمحاكمة بقدر أن يكون التفكير بصوت عال للوصول إلي مشروع سياسي يلزم الجميع..

أن القيادة العسكرية التي تحكم البلاد الآن، و يقع عيها عبء الحفاظ على وحدة السودان و فرض الأمن و الوصول إلي استقرار سياسي في البلاد هي مؤهلة أكثر من غيرها في أن تلعب دورا سياسيا يوصل البلاد لتوافقات سياسية بين الأطراف المختلفة، و تخلق منابر حوارية لكل المكونات التي تقبل بالحوار الوطني داخل السودان، و بعيدا عن النفوذ الخارجي.. كان من المفترض أن يقوم بهذه المهمة رئيس الوزراء، لكن بحكم التجربة غير مؤهل أن يلعب هذا الدور،

أجرى القائد العام للجيش مؤخرا تعديلات جوهرية في القيادة العسكرية، يمكن تناولها من عدة زواية..حيث شمت التعديلات إلغاء منصب نائب القائد العام للجيش، و تم تعين الفريق أول شمس الدين الكباشي مساعد القائد العام مكلف بملف البناء و التخطيط الإستراتيجي، و تولى الفريق أول ميرغني أدريس الصناعات العسكرية بهدف تعزيز قدرات الجيش، و تولى الفري إبراهيم جابر إدارة الملفات الخارجية و التنسيق مع القوى الإقليمية و الدولية.. هذه التعديلات الجديدة إلي جانب هيئة الأركان تهدف إلي فاعلية جديدة للجيش بالضرورة سوف تخلق واقع جديد للأحداث في إطار الانتقال من حالة الجمود و التركيز على ساحة القتال و المعارك إلي الالتفات إلي دعامات جديدة للسياسة البناء في الوطن.. بالضرورة الخطوة سوف تخلق أسئة عديدة لابد من الإجابة عليها.. نواصل في التعليق.. نسأل الله حسن البصيرة..

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات