بقلم: حمد يوسف حمد
حين قرر القائد العام للقوات المسلحة إجراء جراحة ميكروسكوبية في قمة الهرم العسكري، لم يكن الأمر مجرد استجابة لضرورات الميدان، بل كان اعترافاً ضمنياً بأن “عقلية الدفاع” التي سادت الفترات الماضية قد استنفدت أغراضها، وأن مرحلة “التحرير الكامل” تتطلب عقلاً استراتيجياً لا يكتفي برد الفعل، بل يصنعه.
تعيين الفريق أول ياسر العطا في منصب رئيس الأركان، وهو الرجل الذي ظل يمثل “الصوت الجهير” داخل المؤسسة، يحمل دلالة تتجاوز العسكرة إلى السياسة. إنها محاولة لإغلاق الثغرات التي نفذت منها رياح “التشكيك”، وتوحيد الوجدان العسكري خلف رؤية واحدة ترى أن ثمن التباطؤ بات أغلى من كلفة الحسم. فالمتغيرات الدولية والإقليمية المحيطة بالسودان لم تعد تمنحنا ترف “الاستنزاف المفتوح”، والجمود الميداني بدأ يتحول إلى عبء سياسي ثقيل.
لكن السؤال الأكثر عمقاً: هل التغيير في “الأشخاص” كافٍ لعلاج أزمة “المنظومة”؟
اخر الكلام:
إن تصحيح المسار لا يعني فقط تبديل الأسماء في المكاتب المكيفة، بل يعني إعادة تعريف العلاقة بين “المعلومة الاستخباراتية” و”القرار الميداني”، وكسر روتين البيروقراطية العسكرية التي أبطأت في مرات كثيرة وتيرة التقدم. التحرير الكامل الذي ننشده ليس جغرافيا مستعادة فحسب، بل هو “سيادة مستردة” وقرار وطني لا يرتهن لضغوط العواصم البعيدة.
التعقيدات التي يمر بها السودان اليوم تجعل من هذه التعيينات “المغامرة الأخيرة” لضبط بوصلة الدولة. فإما أن تنجح هذه القيادة في الانتقال من “تكتيك الصمود” إلى “استراتيجية الاجتياح”، وإما أننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من التبريرات التي لن تبني وطناً ولن تعيد نازحاً إلى داره.
إن الميدان اليوم لا يحتاج إلى “خطب حماسية”، بل يحتاج إلى “عبقرية لوجستية” وإرادة سياسية صلبة تدرك أن التغيير في القيادة هو “الوسيلة”، أما الغاية فهي بقاء الدولة السودانية موحدة فوق خارطة الوجود.
