نايلة علي محمد الخليفة
لا يتعامل دونالد ترامب مع السياسة بوصفها إدارة هادئة للمصالح ، بل كساحة صراع مفتوحة تُدار بالصدمة والتصعيد ، والظهور الكوميدي ، رجلٌ يُجيد تحويل التوتر إلى أداة ، والأزمة إلى منصة ، والخصومة إلى معركة كسر عظم لا مكان فيها لأنصاف الحلول.
في النموذج الترامبي ، لا تُصنع القرارات داخل غرف مغلقة بقدر ما تُلقى في العلن كقنابل اختبار ، في شكل تصريحٌ ناري ، تهديدٌ مباغت ، أو خطوة غير متوقعة تعيد ترتيب الطاولة بالكامل ، الهدف ليس فقط تحقيق مكسب مباشر ، بل فرض إيقاعه الخاص على الجميع ، حلفاء وخصومًا على حد سواء.
لكن الأخطر أن هذا النهج دفع بالأزمات إلى مسارات أكثر اتساعًا تعقيدًا ، في الملف الإيراني مثلا ، لم يعد التصعيد مجرد ضغوط سياسية ، بل اقتراب متكرر من حافة المواجهة المباشرة على الأرض ، ضمن تنسيق واضح مع إسرائيل ، ما جعل المنطقة تعيش على إيقاع ضربات متبادلة ورسائل عسكرية مفتوحة ، هنا لم تعد الحرب إعلانًا رسميًا بقدر ما أصبحت حربًا للضربات الجوية والصارخية بلا إعلان ، تتسع دوائرها وتُدفع كلفتها أطراف الإقليم ، وفي مقدمتها دول الخليج التي تحتضن القواعد الأمريكية ، ويدفع كلفتها العالم نتيجة إغلاق مضيق هرمز ، مما يعني فعليًا الأثر الإقتصادي للحرب الامريصهيووية على ايران تجاوز حدود الأطراف المتصارعة إلى العالم بأثره.
أما في فنزويلا فقد بدا المشهد وكأن واشنطن لا تكتفي بالضغط ، بل تسعى لإعادة تشكيل السلطة نفسها ، دعم للمعارضة ، خنق اقتصادي ، ومحاولات مستمرة لنزع الشرعية عن النظام القائم ، ترافق ذلك مع تغيير رأس السلطة باختطافه. وبين الفعل والقول ، بدا أن الولايات المتحدة تتصرف أحيانًا كأنها صاحبة القرار النهائي في كاراكاس ، مدفوعة بحسابات تتجاوز السياسة إلى ثروات البلاد وعلى رأسها النفط.
بهذا المعنى لا تبدو الأزمات في عهد ترامب مجرد أدوات ضغط ، بل سياسة متكاملة تقوم على توسيع الصراع ، وإدارة نتائجه من الخارج ، وتوزيع كلفته على الآخرين ،
هي استراتيجية قد تربك الخصوم ، لكنها تضع العالم أمام واقع أكثر هشاشة وتعقيد ، حيث تختفي الخطوط الفاصلة بين الحرب والسلم ، وتصبح السيادة قابلة لإعادة التفسير وفق موازين القوة.
السؤال لم يعد ماذا يريد ترامب؟ ، بل كم أزمة يستطيع العالم أن يتحملها قبل أن يفقد توازنه؟ ، بين التصعيد وحدود الانفجار ، تستمر اللعبة ، أزمات تُصنع في واشنطن… وتُدفع كلفتها بقية دول العالم… لنا عودة.
