بينما كانت المدافعُ تكتُبُ تاريخاً من الدم والنار على تخوم الخرطوم، كانت أم درمان -عاصمة الوجدان- تشهدُ مخاضاً من نوعٍ آخر. كان لقاءُ الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بكتيبة “القوة الناعمة” من أهل الفن والثقافة والإعلام في مركز الفضاء ، لم يكن اللقاء استراحة محارب، لكنه كان “إعادة انتشار” لوعيٍ كاد أن يتآكل، واعترافاً صريحاً بأن المعركة التي تخوضها الدولة السودانية اليوم ليست معركة حدود، بل هي معركة “وجود” تقع الكلمة في قلب تحصيناتها.
لقد ظل القطاع الثقافي والإبداعي لفترة طويلة أسير “المنطقة الرمادية”، متوارياً خلف جدران الصمت، بينما كانت الدولة تُنهشُ بالشائعات وتُستباحُ هويتها عبر الأثير. وجاء لقاء البرهان ليعلن نهاية هذا الانكفاء ، فالحرب التي لا يسندها المثقف والمبدع والسينمائي هي حربٌ “مبتورة الأصوات”. وإن استنهاض هذا القطاع في هذا التوقيت هو “رصاصة” في صدر التضليل، واستعادةٌ لروح الدولة التي حاول المرجفون تغييبها.
وحين يتحدث رأس الدولة عن “الأمانة وتحري الصدق” أمام حشدٍ من صنّاع الرأي، فهو لا يعظهم ، إنّما يضع الإعلام في مواجهة مرآته الأخلاقية. خاصة في عصر “السيولة المعلوماتية”، إذ لم تعد الشائعة خبراً كاذباً وإضلالاً بيّناً فحسب ، بل أصبحت “لغماً” يستهدف الأمن القومي ويهدد النسيج الاجتماعي ، وإن دعوة البرهان لدحض الزيف هي إعلانُ حربٍ ضد “المرتزقة الرقميين” الذين استباحوا وجدان المواطن السوداني بضجيج الأكاذيب.
لكن، وقفة المكاشفة الأهم تكمن في تصريح البرهان الصادم: “لا أملك أي صفحة على السوشيال ميديا”. هنا نضع أيدينا على “الجرح السيادي”. كيف يترك رأسُ الدولة هذا الفضاء الفسيح لتعبث فيه الصفحات المزورة والمنتحلة، تارةً تأمر وتارةً تنهى، وتارةً تبثُ الوهن باسمه؟
إن اعتراف البرهان بهذا الفراغ هو جرس إنذار وإضاءة لمبة حمراء فغياب “المنصة الرسمية” الموثقة للقائد في عصر الحروب السيبرانية ليس زهداً، إنما ثغرة في جدار الأمن القومي. وإن “حصانة السيادة” تقتضي أن يكون للقائد لسانٌ رقمي يبين للناس ما اختلفوا فيه، ويقطع دابر التأويلات التي تصيغها غرف المخابرات المعادية.
إنني أطلب و أطالب، وبقوة، بإنهاء هذا الاغتراب الرقمي لرئاسة الدولة. نريد “نافذة رقمية” تدار بعقول سودانية مختصة ومتخصصة ، تكون جسراً ممتداً بين القائد وشعبه، وبخاصة فئة الشباب الذين يمثلون وقود الأرض وفضاء “الإسفير”.
- إننا نريد أن نسمع نبض البرهان مباشرةً، لا عبر وسائط مشوهة.
- نريد أن يرى الشبابُ في قائدهم جزءاً من واقعهم التكنولوجي، يستمع لآمالهم ويتفاعل مع همومهم بـ “نقرة زر” تسبق مؤتمرات الصحافة الجافة.
شكراً لفخامة الرئيس تلك الجلسة الما منظور مثالها ، لقد أعاد لقاءكم “بمركز الفضاء” ترتيب الأولويات؛ فلا سيادة بلا حصانة، ولا حصانة بلا إعلامٍ صادق، ولا إعلام صادق بلا منصات تقود ولا تُقاد. لقد أطلق البرهان رصاصة الكلمة، وعلى أهل الفن والإعلام أن يحولوا هذه الرصاصة إلى درعٍ يحمي خارطة الوطن من التمزق والنسيان.
