الخميس, أبريل 2, 2026

مسارات ياسر العطا على رأس الأركان … إعادة تشكيل مركز القرار العسكري


د.نجلاء حسين المكابرابي

يمثل تعيين ياسر العطا رئيسًا لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية خطوة تتجاوز كونها إجراءً إداريًا تقليديًا، لتدخل في صميم إعادة هندسة المؤسسة العسكرية في لحظة مفصلية من تاريخ السودان.
فالجيش السوداني، الذي يخوض منذ حرب السودان 2023 واحدة من أعقد معاركه، لا يحتاج إلى قيادة ميدانية، و لكن اليعقلٍ استراتيجي قادر على الربط بين الميدان وغرف القرار، وبين التكتيك اليومي والرؤية بعيدة المدى. وهنا، يأتي هذا التعيين محمّلًا بدلالات تتعلق بطبيعة المرحلة أكثر من ارتباطه بشخصية العطا
وياسر العطا ليس اسمًا طارئًا على المشهد؛ بل أحد أبرز الوجوه العسكرية التي لعبت أدوارًا محورية في مفاصل مختلفة من تاريخ الدولة السودانية الحديث. هذا الحضور يمنحه ميزتين حاسمتين: معرفة دقيقة ببنية الجيش، وقدرة على التعامل مع تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في آنٍ واحد. لكن في المقابل، يضعه أمام اختبارٍ أكبر: هل يستطيع تحويل هذا الرصيد إلى نتائج ملموسة على الأرض؟
التحدي الأول يتمثل في إعادة ضبط إيقاع العمليات العسكرية. فالحرب لم تعد مجرد مواجهات تقليدية، ولكنها أصبحت متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الجغرافيا مع المعلومات، والسرعة مع الدقة. رئيس الأركان هنا ليس هو صانعٌ الخطط، ومسؤول عن توحيد القرار العملياتي ومنع التشتت الذي قد يكلّف الكثير.
أما التحدي الثاني، فهو إعادة بناء الثقة داخل المؤسسة العسكرية. فالحروب الطويلة تستنزف الجيوش ليس فقط في العتاد، ولكن في المعنويات والانضباط. وهنا، يصبح دور القيادة في إعادة التماسك الداخلي، ورفع الروح القتالية، مسألة لا تقل أهمية عن كسب المعارك نفسها.
التحدي الثالث، وربما الأهم، هو ما بعد الحرب. إذ لا يمكن قراءة هذا التعيين بمعزل عن مرحلة قادمة تتطلب جيشًا أكثر احترافية، وأقل انخراطًا في التجاذبات السياسية، وأكثر التزامًا بعقيدة عسكرية واضحة. فإذا نجح العطا في وضع أسس هذه المرحلة، فإن تأثيره سيتجاوز حدود الحرب الراهنة إلى رسم ملامح الجيش في السودان الجديد.
لكن، وبقدر ما يحمل القرار من فرص، فإنه يفتح بابًا للأسئلة الصعبة:
هل هو تعيين لإدارة الحرب… أم لتأسيس ما بعدها؟
هل يعكس توحيدًا حقيقيًا لمركز القرار… أم إعادة توزيع للأدوار داخل القيادة؟
وهل يمتلك الرجل المساحة الكافية للتحرك… أم أنه سيبقى محكومًا بتوازنات أكبر من موقعه؟
في كل الأحوال، فإن هذا التعيين يرسل إشارة واضحة: أن المؤسسة العسكرية بصدد إعادة ترتيب بيتها من الداخل، وأن المرحلة القادمة لن تُدار بذات الأدوات القديمة.
وفي لحظةٍ كهذه، لا تُقاس القرارات بنواياها، تقاس بنتائجها.
فإما أن تكون بداية لتحول حقيقي في أداء الجيش السوداني…
أو مجرد عنوان جديد لأزمة قديمة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات