سقطت الستارةُ عن أقبح مشهدٍ في تاريخ البشرية المعاصر ، ثلاثة آلاف روحٍ طاهرة، نُزعت من أجسادها تحت وطأة المقصلة الصهيونية، لا في غرفٍ مغلقة، بل “على الهواء مباشرة” تحت سمع وبصر عالمٍ يدّعي الرقي، وفي قلب أمةٍ تدّعي الإخاء. ثلاثة آلاف قنديلٍ انطفأ، ولم يتمعر وجهُ “حضارةٍ” واحدة، ولم تهتز شواربُ نخوةٍ في عواصم الصمت الرتيب.
أين هي “العروة الوثقى”؟ وأين هي نصوص الإخاء التي ملأنا بها المجلدات؟ لقد كشفت دماء هؤلاء الأسرى أن كل المواثيق الحقوقية ليست سوى “حبرٍ على ورق” يُمسح به حذاء الطغاة. إن هذا الإعدام الجماعي ليس مجرد جريمة حرب، بل هو إعلانُ وفاةٍ رسمية للضمير الإنساني، واغتيالٌ علني لكل صرخة استغاثة أطلقها المظلومون عبر التاريخ. لقد انتهت عند حدود هذه المجزرة كلُّ قيم الأرض، وبقي العدلُ معلقاً في السماء وحده.
كنا ننتظر أن يتحول ليلُ المسلمين إلى ظلامٍ دامس حداداً على “أشرف السوح”، تخيلنا المنابر وقد تحولت إلى براكين غضبٍ تهزُّ أركان الأرض استنكاراً، ظننا أن الشوارع ستغصُّ بطوفانٍ بشريٍّ يزلزلُ عروش الصمت. ولكن.. وا أسفاه! وجدنا أمةً كغثاء السيل؛ هيبةً منزوعة، وصوتاً مبحوحاً، وحكوماتٍ أدمنت الانحناء حتى نسيت كيف تُقام القامة. ألم تكن هذه الدماء كافية لتغسل آثام السنين؟ ألم تكن صرخاتهم وهي تُخنق خلف القضبان كفيلةً بأن تُنهي عهود المهادنة والذل؟
يا هؤلاء.. إن من أُعدموا بالأمس لم يكونوا عالةً على التاريخ، بل هم “طائفة الحق” التي لا يضرها من خذلها. خرجوا بصدورٍ عارية وجهادٍ مخلص، بايعوا الله على “نصرٍ أو شهادة”، فصدقهم الله وكذبتم أنتم. هم الآن عند ربهم يرزقون، تيجانهم الكرامة، وشهودهم الملائكة، أما نحن.. فبقينا نقتاتُ على فتات الصبر المزعوم، ونرتجفُ خلف شاشات الميديا التي فشلنا حتى في تحويلها إلى ساحةٍ لفضحِ تاريخٍ يهوديٍّ جُبل على الغدر والخيانة منذ فجر النبوة.
إن دماء هؤلاء الأسرى ستبقى لعنةً تلاحق كل من صمت، وكل من تخاذل، وكل من صافح يداً تقطرُ دماً. إننا لا نبكيهم، فالشهداءُ لا يُبكون، ولكن نبكي على أنفسنا التي تآكلت فيها معاني النصرة حتى أصبحت “النخوة” مصطلحاً مهجوراً في قواميسنا.
يا أصحاب القرار والعمائم والأقلام: دماء هؤلاء لم تكن مجرد أرقام، إنما كانت “آخر معاقل الكرامة”. إن خذلانكم لثلاثة آلاف مقاتل خرجوا جهاداً في سبيل الله، هو إقرارٌ علنيّ بالهزيمة النفسية قبل العسكرية. إن لم تُشعلوا الأرض غضباً، وتفضحوا تاريخ القتلة الأسود، وتجعلوا من هذه الفجيعة “وعداً وعهداً” للقدس، فباطن الأرض خيرٌ لنا من ظاهرها.
لقد ربح الأسرى الشهادة، وخسرنا نحن شرف الموقف. هم “الفئة المنصورة” بيقين نبينا، ونحن “الغثاء” بيقين واقعنا.. فبأي وجهٍ سنلقى الله وبأي تاريخٍ سنواجه الأجيال ؟
