الثلاثاء, مارس 31, 2026
الرئيسيةمقالاتما بعد العيد… وعي استهلاكي أم عودة للإسراف؟. ...

ما بعد العيد… وعي استهلاكي أم عودة للإسراف؟. د. هيثم حسن عبد السلام

ما إن ينقضي شهر رمضان المبارك وتُطوى صفحات عيد الفطر، حتى يجد المستهلك نفسه أمام اختبار حقيقي.. هل كانت تلك الأيام مجرد موسم استهلاكي عابر، أم محطة مراجعة تُعيد تشكيل سلوكنا الشرائي ونظرتنا للسلع والخدمات؟
في رمضان، تضاعفت معدلات الاستهلاك، وفتحت أبواب الشراء على مصراعيها، بدافع العادات الاجتماعية أكثر من الحاجة الفعلية. لكن ما بعد العيد هو اللحظة الأنسب لإعادة التوازن؛ لحظة انتقال من الاستهلاك المندفع إلى الاستهلاك الواعي، ومن الإسراف إلى الترشيد، ومن الفوضى إلى الانضباط.
التحول الإيجابي يبدأ من إدراك بسيط: أن القيمة ليست في كثرة ما نشتري، بل في جودة ما نختار. وأن التعامل الصحيح مع السلع والمنتجات لا يتوقف عند الشراء، بل يمتد إلى طريقة الاستخدام، والتخزين، والتخلص الآمن من الفائض. هنا تتشكل ثقافة استهلاكية جديدة، تُراعي الصحة، وتحفظ المال، وتحترم البيئة.
فكم من سلعة تُهدر بعد العيد بسبب سوء التقدير؟ وكم من منتج يُشترى بدافع العادة لا الحاجة؟ وكم من مورد يُستنزف دون وعي بتأثير ذلك على الأسرة والمجتمع؟ إنها أسئلة مشروعة، تضعنا أمام مسؤولية فردية وجماعية لإعادة تعريف أولوياتنا الاستهلاكية.
الترشيد ليس دعوة للتقشف، أنما هو سلوك حضاري يعكس وعياً متقدماً. أن تشتري بقدر حاجتك، أن تُفضل المنتجات المطابقة للمواصفات، أن تدعم المنتج الجيد، وأن تُقلل من النفايات – كلها ممارسات تصنع فرقاً حقيقياً في حياتنا اليومية. كما أن البعد البيئي لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحّة، حيث يرتبط الاستهلاك الرشيد مباشرة بالحفاظ على الموارد وتقليل التلوث.
لكن، السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هل يمكن قياس هذا التحول عندنا ؟
نعم، فالمؤشرات لا تكمن فقط في الأرقام، بل في السلوك. انخفاض معدلات الهدر الغذائي، زيادة الإقبال على المنتجات ذات الجودة، تراجع الشكاوى المرتبطة بالغش أو السلع الرديئة، وارتفاع الوعي بحقوق المستهلك – كلها إشارات على نضج استهلاكي آخذ في التشكل. كما أن انتظام الأسواق واستقرار الأسعار يعكسان بيئة أكثر انضباطاً وعدالة.
غير أن هذا التحول لن يكتمل دون دور فاعل للأجهزة الرقابية، في ضبط الأسواق، وكبح جماح الأسعار، والتصدي للممارسات السالبة التي تستنزف جيب المستهلك وتُضعف ثقته. فالسوق المنضبط ليس مسؤولية جهة واحدة، بل هو شراكة بين المستهلك الواعي، والتاجر المسؤول، والجهات المختصة.
بالتاكيد ما بعد رمضان ليس نهاية موسم ينتهي مع اخر صلاة للتروايح ، بل بداية وعي مع اول تكبيرات العيد ، ونجاحنا لا يُقاس بما أنفقنا، بل بما تعلمنا. فهل نغتنم الفرصة لنُعيد تشكيل سلوكنا الاستهلاكي، أم نعود إلى ذات الدائرة؟
الإجابة… في سلة مشترياتنا القادمة.

-الخرطوم في 31 مارس 2026 م

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات