لقد ظلت خرائط الري وأرشيفها أكثر من مجرد بيانات: إنها سجل للتاريخ، أداة للتخطيط، وسلاح تفاوضي في مواجهة الأزمات الإقليمية والداخلية. فقدانها يمثل تهديد مباشر للقدرة على إدارة كثير من الملفات الاستراتيجية المتعلقة بموارد المياه وإدارتها والتحكم فيها كما أنه يغيب أهم التجارب العلمية والعملية التي تمتلكها بلادنا في مجال إدارة المياه.
حين أُعلن خلال الحرب عن فقدان أرشيف وزارة الري، بدأ الأمر صادمًا لكثير من المراقبين وكأنه انهيار في صميم الدولة. لم يكن الحديث آنذاك عن منشآت أو قنوات مياه، بل عن تعطيل “عقل وزارة ” ظلت متحكمة في واحدة من أكثر الموارد حساسية واستراتيجية في بلادنا بالنظر إلى التحديات الاقليمية والدولية المتعلقة بموارد المياه وإدارتها ومستقبلها .
فقدان الوثائق كان تقويضًا لقدرة الدولة على التخطيط الزراعي السليم ، وتأمين الحقوق المائية، وصون مصالحها الوطنية في مواجهة ملفات إقليمية تتزايد فيها الضغوط، لا سيما مع استمرار أزمة سد النهضة وتهديدات تغير التدفقات المائية. كان ذلك ينبئ بضعف موقف الدولة السودانية التفاوضي في ملفات ادارة المياه والري و التشغيل.
غير أن المشهد شهد تحوّلًا لافتًا بأمس، حين أعلن وزير الزراعة والري، البروفيسور عصمت قرشي، خلال زيارته التفقدية لولاية الجزيرة استعدادًا للموسم الصيفي 2026، عن نجاح الوزارة في استعادة 90% من الخرائط والوثائق المؤرشفة الخاصة بمشروع الجزيرة، والتي كانت قد تعرضت للنهب والتخريب الممنهج من قبل مليشيا الدعم السريع إبان الحرب.
وفي السياق ذاته، أوضح وكيل وزارة الري المهندس ضو البيت عبد الرحمن، أن ما تم استعادته يبلغ نحو 35 ألف خريطة من أصل 40 ألف وثيقة، تمثل إرثًا هندسيًا وزراعيًا يمتد لنحو مائة عام. وشدد على أن استرجاع هذه الملفات لم يكن ممكنًا لولا البدء المبكر في الأرشفة الإلكترونية منذ عام 2008 خارج مقار الوزارة، وهو ما حفظ جزءًا كبيرًا من الذاكرة التشغيلية من الضياع.
سياسيًا يحمل هذا الحدث بعدين متوازيين. البعد الأول يسلط الضوء على طبيعة الحرب في السودان، التي لم تقتصر على السيطرة على الأرض أو الموارد، بل امتدت لتستهدف العقل المؤسسي للوزارة وذاكرتها. استهداف الأرشيف يعني تعطيل القدرة على التخطيط والمبادرة، وتحويل الدولة إلى متلقٍ للظروف بدل أن تكون فاعلًا في توجيهها. أما البعد الثاني، فهو درس في أهمية حماية الدولة: القرارات السابقة بالأرشفة الرقمية، رغم محدوديتها حينها، كانت كافية لإنقاذ جزء أساسي من الذاكرة، وهو ما يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية الأرشفة كجزء من السيادة الوطنية.
مع ذلك يجب أن لا تكون الاستعادة نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة، تتطلب إعادة التفكير في مفهوم حماية الوثائق وكافة الأرشيف. فالدروس واضحة: الدولة التي تُهمل ذاكرة مؤسساتها، تُخاطر بفقدان أدواتها الأكثر فاعلية في إدارة الموارد، وإعادة البناء، ومواجهة التحديات الإقليمية.
ولذلك، يجب تحويل الأرشيف إلى منظومة رقمية متكاملة: موزعة، مؤمنة تقنيًا، مرتبطة مباشرة بمراكز اتخاذ القرار، وقابلة للتحديث والتحليل المستمر. بجانب أهمية دمج الذكاء الاصطناعي في تصنيف وتحليل الخرائط والبيانات التاريخية يمكن أن يحول الأرشيف من مجرد سجل ماضي إلى منصة استراتيجية لصنع القرار والتخطيط المستقبلي.
على مستوى إعادة البناء بعد الحرب، تصبح الوثائق أداة فاعلة لتطوير العمل. مشروع الجزيرة، الذي يمثل أحد أهم المشاريع الزراعية والهيدرولوجية في السودان، يحتاج اليوم إلى استدعاء هذه الخرائط لتحديد مواقع الصيانة والتأهيل، وتحسين كفاءة تشغيل القنوات، وضمان توزيع المياه بشكل متوازن يراعي الواقع الجديد. كما يجب أن تكون الخرائط قاعدة علمية لتجنب الأخطاء وتوجيه الاستثمار الزراعي والتقني.
من المعلوم أن الدولة التي تملك معلومات دقيقة عن تاريخ استخدام المياه، والتوزيع والإدارة، وأخطاء الماضي ونجاحاته ، تصبح في موقف تفاوضي أقوى، قادرة على الدفاع عن حقوقها بشكل علمي مدروس .
تاريخ مشروع الجزيرة، إذن، ليس مجرد سجل هندسي، بل مرجع لإعادة بناء الدولة بعد الحرب. استعادة الوثائق يعد خطوة نحو استعادة القدرة على المبادرة وصناعة القرار، واستعادة عقل الدولة في واحدة من أخطر ساحات الصراع، الداخلية والإقليمية على حد سواء.
وفي ظل التحولات التي نعيشها، يصبح دور الأرشيف أكثر استراتيجية، فهو الذي يربط بين الخبرة التاريخية والحاجة إلى إدارة الموارد بكفاءة في المستقبل، ويُعيد إنتاج السيادة ليس فقط على الأرض، بل على المعرفة.
هذا وبحسب #وجه_الحقيقة ما بين لحظة فقد الوثائق و استعادتها، تتحدد معالم الدولة الجديدة. فإما أن تُقرأ الاستعادة انتصارًا على الحرب والفوضى، أو أن تُفهم كفرصة لإعادة بناء الدولة على قاعدة جديدة: قاعدة تدرك أن السيطرة على المعرفة، وامتلاك القدرة على إدارتها، هو جوهر السيادة، وأن من يحسن حماية ذاكرته، يحسن أيضًا كتابة مستقبله.
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 31 مارس 2026 م Shglawi55@gmail.com
