بقلم/ تقوى صديق الطاهر
بلدنا السودان لا يشبه غيره من البلدان، ولذلك لا يمكن أن تُدار قضاياه بذات المناهج الجاهزة التي تُطبق على دول أخرى تختلف عنه في الطبيعة والتكوين الاجتماعي والثقافي. السودان يحتاج إلى منهج وطني إستثنائي ينطلق من حقيقة الإنسان السوداني وتنوعه، ومن خصوصية موارده وموقعه وتاريخه.
إن السودان بلد غني بما وهبه الله من نعم عظيمة؛ من موارد بشرية ضخمة، ومياه عذبة، وطبيعة سياحية خلابة، ومعادن متنوعة، وأراضٍ زراعية خصبة، إلى جانب تنوع ثقافي وإثني فريد يجعل منه وطنًا متعدد الألوان واللغات والعادات، لكنه في الوقت نفسه قادر على التعايش والانصهار في روح واحدة رغم كل ما يمر به من أزمات.
الإنسان السوداني.. ثروة لا تُقدّر
الإنسان السوداني يتمتع بصفات نادرة تميّزه عن كثير من شعوب العالم. فهو إنسان ذو تركيبة دينية وثقافية متسامحة، حساس ومرهف المشاعر، كريم وشهم، يحمل في داخله روح التعاون والتكافل.
وما يميز السوداني أنه لا يحتاج إلى مقدمات طويلة لبناء علاقات إنسانية صادقة، فحيثما ذهبت في شرق السودان أو غربه أو شماله أو جنوبه ستجد استقبالًا دافئًا وكرمًا أصيلًا، وقد تتحول العلاقة البسيطة إلى صلة ممتدة تربط الأسر والقبائل والقرى عبر السنين، لتصبح روابط اجتماعية قوية تُبنى على المحبة والثقة والتواصل.
هذه القيم ليست مجرد صفات إجتماعية جميلة، بل هي رأس مال وطني يمكن أن يُوظف لصناعة دولة قوية، متماسكة، ومنتجة.
*التنوع السوداني.. فرصة لا تهديد
إن تنوع السودان الثقافي والإثني ليس سببًا للأزمات كما يحاول البعض تصويره، بل هو ميزة عظيمة إذا أُحسن استثمارها عبر رؤية وطنية عادلة تستوعب الجميع.
لكن هذا التنوع يحتاج إلى عقول سودانية واعية ومخلصة قادرة على صياغة استراتيجيات تناسب السودان، لا تُستورد من الخارج ولا تُفرض عليه فرضًا. استراتيجيات تفهم عقلية الإنسان السوداني وطريقة تفكيره ونمط حياته، وتحوّل التنوع إلى قوة، والإرث العظيم إلى مشروع حضاري متكامل.
الحروب والصراعات.. من المستفيد؟
لا يخفى على أحد أن كثيرًا من الحروب والصراعات التي شهدها السودان لم تكن وليدة الصدفة، بل ساهمت التدخلات الخارجية بصورة كبيرة في تغذية النزاعات واستغلال بعض أبناء الوطن لإشعال الفتن، عبر الدعم والتحريض وتوفير أدوات الانقسام.
وقد أصبح هذا الأمر أكثر وضوحًا بعد تمرد مليشيات الدعم السريع على الدولة السودانية، حيث ظهر للناس ما كان يُدار في الخفاء منذ عقود، وأدرك الجميع أن السودان كان مستهدفًا في أمنه واستقراره وثرواته ووحدته.
ومع ذلك، فإن وعي الشعب السوداني أصبح اليوم أقوى، وأصبح إدراك المخطط الخارجي واضحًا لدى الصغير قبل الكبير، وهذا الوعي يمثل نقطة بداية حقيقية للخلاص.
الحل: مشروع العقول الوطنية السودانية
إن السودان يحتاج اليوم إلى مشروع قومي حقيقي، يمكن أن نسميه مشروع العقول الوطنية السودانية، وهو مشروع يهدف إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة تحرر السودان من قيود الإستعمار القديم المتجدد، ومن التبعية السياسية والاقتصادية والفكرية.
هذه الاستراتيجية يجب أن تكون عادلة، جامعة، لا تُقصي أحدًا، وتقوم على:
استيعاب كل المكونات السودانية دون تمييز.
فتح المشاريع القومية الإنتاجية والزراعية والصناعية.
توظيف طاقات الشباب في مسارات تناسب قدراتهم وطموحاتهم.
دعم المرأة وتمكينها في الاقتصاد والمجتمع.
حماية الأطفال وبناء جيل واعٍ عبر التعليم والتربية الوطنية.
الاستثمار في الموارد الطبيعية بقرار سيادي وطني يحفظ حقوق الشعب.
السودان قادر أن يكون نموذجًا
إذا توحدت العقول الوطنية، واستُثمرت طاقات الشباب، وأُعيد بناء الدولة على أساس العدالة والانتماء والهوية الجامعة، فإن السودان يمكن أن يتحول من بلد مستهدف بالحروب إلى بلد يصنع السلام، ومن وطن يعاني الأزمات إلى وطن يقود التنمية في محيطه الإقليمي.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل يحتاج إلى مشروع وطني واضح،
وإرادة سياسية صادقة، وعقول مؤمنة بأن هذا الوطن يستحق الحياة الكريمة.
فالسودان بمنهجه الإستثنائي يمكن أن يكون نموذجًا يُحتذى به، لا دولة تُستنزف وتُنهب.
