مهدي داود الخليفة
لم يعد السؤال اليوم في السودان: من سينتصر في الحرب؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا تبقّى من السودان أصلاً؟ في قلب هذا المشهد المعقّد يقف الفريق عبد الفتاح البرهان، ليس فقط كقائد عسكري، بل كفاعل سياسي يتحمّل مسؤولية تاريخية عن مسار بلد يتآكل تحت وطأة الحرب والانقسام والتدخلات الخارجية. ثلاث سنوات من خطاب رسمي يعد بالحسم العسكري والقضاء على قوات الدعم السريع لم تنتج دولةً مستعادة، بل أنتجت واقعاً أكثر قسوة: اتساع رقعة القتال، تآكل مؤسسات الدولة، وتحول السودان إلى ساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية ودولية تتجاوز إرادة شعبه.
غير أن المأساة الأكبر لا تكمن فقط في فشل خيار الحسم العسكري، بل في الفجوة المتزايدة بين السلطة والشعب. فبينما يتطلع السودانيون إلى وقف فوري للحرب واستعادة الحد الأدنى من الأمان، يستمر الخطاب الرسمي في تجاهل هذه الرغبة الجمعية، وكأن صوت الملايين بات أقل وزناً من حسابات التحالفات العسكرية وضغوط الخارج. لقد أصبح واضحاً أن معادلة اتخاذ القرار لم تعد تُبنى على ما يحتاجه السودانيون من سلام، بل على ما تفرضه توازنات القوة، داخلياً وخارجياً، وهو ما حوّل الحرب من وسيلة لتحقيق الاستقرار إلى غاية قائمة بذاتها.
صحيح أن الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على قيادة الجيش تشكل عاملاً مؤثراً، خاصة فيما يتعلق بطبيعة التحالفات السياسية والعسكرية، لكن الخطأ الاستراتيجي يكمن في تقديم هذه الضغوط وكأنها المحدد الأساسي للقرار، في حين يتم تجاهل المحدد الأكثر شرعية وتأثيراً: إرادة الشعب السوداني. فالتاريخ لا يرحم الأنظمة التي تستجيب للخارج أكثر مما تستجيب لشعوبها، ولا يمنح شرعيةً دائمة لسلطةٍ تفقد اتصالها بمجتمعها.
وكلما طال أمد الحرب، لم تتفاقم فقط معاناة السودانيين، بل بدأت حتى الدول التي وقفت إلى جانب البرهان تعيد حساباتها. فالدعم الإقليمي والدولي ليس مفتوحاً بلا سقف، وهو في جوهره مرتبط بمدى وجود أفق سياسي للحل. ومع استمرار الحرب دون رؤية واضحة للسلام، يتحول هذا الدعم تدريجياً من رصيد إلى عبء، ومن سند إلى مصدر ضغط إضافي، خاصة في ظل تزايد الكلفة الإنسانية والاقتصادية، وتنامي القلق من انزلاق السودان إلى فوضى شاملة يصعب احتواؤها.
في هذا السياق، يبرز موقف المؤسسة العسكرية نفسها كأحد أكثر عناصر المشهد تعقيداً. فالجيش، الذي يخوض حرباً مفتوحة منذ سنوات، يواجه استنزافاً مستمراً في موارده وقدراته البشرية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى استدامة هذا المسار. فالحروب الطويلة لا تُقاس فقط بعدد المعارك، بل بقدرة المؤسسات على الصمود، وبمدى وضوح الأهداف السياسية التي تقاتل من أجلها. وعندما يغيب هذا الوضوح، تتحول الحرب إلى دائرة مغلقة من الاستنزاف، يصعب الخروج منها دون كلفة باهظة.
الأخطر من ذلك هو صعود قوى مسلحة وسياسية تدفع، موضوعياً، نحو استمرار الحرب لأنها ببساطة لا تملك شرعية شعبية حقيقية. فمجموعات ما يُعرف بـ”القوات المشتركة”، المرتبطة بتحالفات مثل جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي ومالك عقار، تجد في الحرب فرصة للبقاء في المشهد السياسي والعسكري، في ظل غياب قواعد جماهيرية تمنحها وزناً في أي عملية سياسية سلمية. ولذلك فإن إنهاء الحرب لا يعني فقط توقف القتال، بل يعني أيضاً إعادة ترتيب موازين القوى على أساس الإرادة الشعبية، وهو ما لا يخدم مصالح هذه المجموعات.
وهنا تتقاطع المصالح بشكل خطير: قيادة عسكرية تراهن على الحسم، قوى مسلحة تستفيد من استمرار الحرب، وضغوط خارجية توظف الأزمة لتحقيق أهدافها، بينما يظل الشعب السوداني هو الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن دون أن يكون له صوت حاسم في تحديد المسار. هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر دون أن تقود إلى نتيجة واحدة: إضعاف الدولة وتفكيك المجتمع.
إن الاستمرار في تجاهل مطلب السلام لم يعد مجرد خطأ سياسي، بل أصبح تهديداً مباشراً لبقاء السودان كدولة موحدة. فكل يوم إضافي في هذه الحرب يوسّع الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويعمّق الانقسامات، ويفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية التي لا ترى في السودان سوى ساحة نفوذ.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما الذي تريده واشنطن، ولا ما الذي تريده القوى المتحالفة مع الجيش، بل ما الذي يريده السودانيون الذين فقدوا الأمن والاقتصاد والدولة معاً. والإجابة واضحة وبسيطة: يريدون السلام. لكن هذه البساطة تصطدم بتعقيد حسابات السلطة، وبشبكة مصالح لا ترى في إنهاء الحرب أولوية.
متى يدرك الفريق البرهان أن الاستجابة لإرادة شعبه هي الطريق الوحيد لاستعادة أي شرعية؟ ومتى يقتنع بأن استمرار الحرب لم يعد خياراً، بل مأزقاً يتسع مع كل يوم؟ إن الأوطان لا تُحكم بتجاهل شعوبها، ولا تُنقذ بإطالة أمد الحروب، والتاريخ السوداني سيكتب هذه اللحظة إما كنقطة تحوّل نحو السلام، أو كبداية لانهيار لا يمكن تداركه.
