بقلم: حمد يوسف حمد
في يقين الشعب السوداني، لم تكن “معركة الكرامة” يوماً محل شك، لكن اليقين الذي لا يتزعزع في عدالة القضية بدأ يصطدم بصخور التساؤلات المُرّة. لماذا تبدو يد الحسم العسكري مغلولة وهي تملك كل أسباب القوة؟ ولماذا يتأخر النصر في ميادين القتال بينما يتقدم “تجار الأزمات” في ميادين النهب والسياسة؟
إن المشهد اليوم يبدو وكأنه سيناريو “معد سلفاً” في غرف مظلمة، حيث يُراد للسودان أن يستنزف حتى آخر قطرة عرق ودم. الحديث عن “اختراق” المنظومة الأمنية لم يعد همساً في الصالونات، بل بات تفسيراً وحيداً لخطوات تبدو وكأنها مكشوفة للعدو قبل أوانها. حين يتأخر الحسم والجندي جاهز، فابحث عن “الأصابع المرتجفة” في مراكز اتخاذ القرار، تلك التي تخشى الانتصار بقدر خشيتها من الهزيمة.
ولعل “أقنعة الزيف” هي الأكثر إيلاماً؛ أولئك الذين يرفعون شعار “لا للحرب” بيد ناعمة تحمل غصن زيتون، بينما يقطر من يدهم الأخرى دعم المليشيات تحت الطاولة. هؤلاء ليسوا دعاة سلام، بل هم المهندسون الحقيقيون لمشروع تفكيك السودان. لقد اتخذوا من “شيطنة الإسلاميين” فزاعة وغطاءً لتمرير أجندة تمزيق الدولة، وكأن وجود تيار سياسي يبرر حرق المدن واغتصاب الحرائر ونهب الهوية.
أما الوجع الأكبر، فهو “نزيف الموارد” الذي لم يتوقف يوماً. الذهب، الصمغ العربي، والثروة الحيوانية.. كلها تخرج من مسام الوطن المنهك لتصب في جيوب من صنعوا الحرب ومن يغذونها. وهنا يبرز السؤال الذي يصفع وجه الحقيقة: متى يترجل وزير المالية؟ وكيف لصناعة “حكومة الأمل” أن تتحول إلى “مصنع لليأس” في كافة المجالات؟ هل كان الفشل صدفة، أم هو “فشل ممنهج” لإيصال الشعب لمرحلة القبول بأي تسوية، ولو كانت على حساب السيادة؟
إن غياب المحاسبة لمن ساهموا في إشعال هذا الجحيم، ومن تربحوا من دماء الشهداء، هو الخيانة الكبرى. السكوت عن إمدادات السلاح التي تأتي جهاراً نهاراً من الخارج هو طعنة في ظهر المقاتل.
لقد بدأت الحالة الشعبية تتساءل عن “مصداقية العمل”، ليس تشكيكاً في الجيش، بل خوفاً من “باعة الأوطان” في الداخل. إن الكرامة لا تكتمل في الميدان ما لم تُطهر المكاتب والوزارات من “الأيدي الملوثة” بمصالح تتجاوز حدود الوطن
