بقلم : امير الزين نورالدائم
الولايات المتحدة الاميركية إيوا
بناءً على التأطير السياسي والاشتباك الدولي الذي ناقشه الجزء الأول، ينتقل السؤال من “لماذا تعود اللجنة؟” إلى سؤال أكثر صرامة وواقعية: كيف يمكن أن يعمل مشروع التفكيك أصلاً في ظل دولة تتآكل ومجتمع تعصف به الحرب؟. فعودة الحديث عن لجنة تفكيك التمكين ليست مجرد استدعاء لأداة من أدوات الفترة الانتقالية، بل عودة إلى جوهر السؤال الذي طرحته ثورة ديسمبر: كيف يُهدم نظام مترسخ، لا عبر إسقاط رأسه فحسب، بل بتفكيك بنيته الاقتصادية والتنظيمية العميقة التي صُممت لتستمر داخل الدولة وخارجها.
غير أن هذا الاستدعاء يصطدم اليوم بواقع أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالتجربة السابقة للجنة، رغم مركزيتها، كشفت عن اختلالات حقيقية في بنيتها وأدائها؛ حيث تداخل السياسي بالقانوني على نحو أضعف صورة الحياد المؤسسي، واعتمدت في كثير من الأحيان على قرارات إدارية سريعة لم تسندها دائماً بنية قضائية متماسكة. وقد فتح ذلك الباب أمام الطعون، ووفّر مدخلاً للهجوم المضاد الذي استثمر في انطباعات التسييس والانتقائية لتقويض الثقة العامة. لم تكن المشكلة في وجود فساد ممنهج بقدر ما كانت في هشاشة التصميم المؤسسي وتراكم الشكوك، وهو درس حاسم في لحظة تبدو فيها الشروط أكثر قسوة.
فالدولة التي كانت اللجنة تعمل من خلالها لم تعد قائمة بالشكل الذي يسمح بأي تنفيذ فعلي؛ الجهاز التنفيذي منقسم، والقضاء يعاني من التفكك، والموارد الاقتصادية نفسها انتقلت جزئياً إلى شبكات حرب واقتصاد موازٍ. في هذا السياق، لا يعود “التفكيك” إجراءً إدارياً داخل مؤسسات قائمة، بل يتحول إلى صراع مع بنية معقدة عابرة للحدود، تتداخل فيها شبكات النظام القديم مع قوى الحرب الجديدة.
هنا يبرز “اقتصاد الحرب” كأخطر تجليات التمكين في صيغته الراهنة. فهو لا يمثل مجرد تمويل للعمليات العسكرية، بل إعادة هيكلة عميقة للموارد القومية—وعلى رأسها الذهب—بحيث تتحول إلى عصب مالي لشبكات تتقاطع فيها المصالح المحلية والإقليمية. هذه الشبكات لا تعمل في فراغ، بل تقوم على سلسلة مترابطة تبدأ من السيطرة على مواقع الإنتاج، وتمر عبر الوسطاء والشركات الواجهة، وتنتهي بإدماج العائدات في الأسواق الإقليمية والدولية. وبدون تتبع دقيق لهذه السلسلة، يظل التفكيك ملاحقة للأفراد، بينما تستمر البنية التي تعيد إنتاجهم.
ومع ذلك، فإن هذا التعقيد لا يلغي إمكان الفعل، بل يعيد تعريفه. فبدلاً من محاولة استنساخ تجربة اللجنة في ظروف لم تعد قائمة، يفرض الواقع انتقالاً من “اللجنة” كجهاز تنفيذي إلى “التفكيك” كمسار تراكمي. أي من سلطة تصدر قرارات، إلى ملف سيادي ومعرفي يُبنى عبر التوثيق الدقيق، وتتبع الأصول، وربط الموارد بمسارات استخدامها، بحيث تتحول الوقائع من توصيف سياسي إلى أدلة قانونية قابلة للتوظيف في أنظمة العقوبات أو المسارات القضائية الدولية.
في هذا الإطار، يصبح التعامل مع اقتصاد الحرب ليس خياراً، بل مدخلاً أساسياً. فكلما أمكن الربط بين المورد—كالذهب—وبين شبكات تمويل العمليات العسكرية، عبر مسار مالي موثق، تحولت هذه البنية من واقع مفروض إلى نقطة ضعف يمكن استهدافها. أما بدون هذا الربط، فيبقى الحديث عن اقتصاد الحرب صحيحاً من حيث التشخيص، لكنه محدود الأثر من حيث التغيير.
إن ما تفرضه هذه اللحظة هو مقاربة مرحلية، تبدأ من حيث يبدو الفعل محدوداً: في بناء قواعد بيانات، وتوثيق مسارات الأموال، وإعداد ملفات قانونية بمواصفات مهنية، وبناء شبكات عمل قادرة على التحرك داخل السودان وخارجه. هذه ليست بديلاً عن التفكيك، بل شرطه الضروري، لأن أي لحظة انتقال قادمة لن تُبنى من فراغ، بل من تراكم ما تم إنجازه في ظل أصعب الظروف.
إن التغيير الجذري لا يُقاس بحدة الشعارات، بل بقدرة المشروع على إعادة إنتاج أدواته في مواجهة الواقع دون أن يفقد اتجاهه. وفي هذا المعنى، فإن تفكيك بنية النظام القديم لا يمكن أن يُختزل في لجنة، ولا أن يُؤجَّل بحجة الحرب، ولا أن يُعاد إنتاجه داخل نفس الشروط التي أعاقت إنجازه سابقاً. بل يجب أن يتحول إلى مشروع طويل النفس، يستهدف العصب المالي للسلطة القديمة والجديدة معاً، ويعيد ربط العدالة بمصالح الناس لا بتوازنات النخب.
إن استعراض مسار التفكيك، بين مشروعية الثورة وتعقيدات الملاحقة الدولية، يقود إلى خلاصة حاسمة: التفكيك ليس تصفية حسابات مع الماضي، بل عملية تأمين للمستقبل. فالدولة السودانية القادمة لن تُحدد فقط بنتائج الميدان، بل بالقدرة على حسم سؤال العدالة ومن يملك أدواتها. ومن هنا، لا يعود تفكيك التمكين مهمة مؤجلة، بل شرطاً ضرورياً لأي سلام حقيقي، وضمانة لعدم إعادة إنتاج الأزمة في صورة أخرى.
لقد أثبتت التجربة أن حصر التفكيك في هيكل إداري يجعله عرضة للتقلبات، بينما تحويله إلى ملف سيادي ومعرفي يمنحه القدرة على الصمود. فالمعركة اليوم لا تدور حول استعادة مؤسسات مفقودة، بل حول محاصرة شبكات التمكين أينما وجدت، وتحويل اقتصاد الحرب من مصدر قوة إلى دليل إدانة لا يسقط بالتقادم.
وفي هذا الأفق، لا تولد الدولة من رحم التسويات الهشة، بل من قدرة قوى الثورة على الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق البرامج؛ برامج قادرة على تفكيك البنية الاقتصادية للاستبداد، وتجفيف منابع الحرب، وبناء عدالة لا تُختطف مرة أخرى. فالثورة التي لا تفكك بنية التمكين اقتصادياً وقانونياً، تظل ثورة معلقة—تؤجل أزمتها، ولا تحلها
