الثلاثاء, مارس 17, 2026
الرئيسيةمقالاتود البلة زاد الطين بلة… صيانة كبري الحلفايا تكشف معضلة تمويل إعادة...

ود البلة زاد الطين بلة… صيانة كبري الحلفايا تكشف معضلة تمويل إعادة الإعمار كتب: أبوعبيده أحمد سعيد محمد



بعيداً عن الجدل الذي صاحب توقيع عقد صيانة كبري الحلفايا، فإن القضية في جوهرها ليست خلافاً تعاقدياً أو إدارياً، بقدر ما تعكس تحدياً اقتصادياً أعمق يتعلق بتمويل مشاريع إعادة إعمار البنية التحتية في السودان.
فالجسر، الذي يمثل أحد أهم المعابر الحيوية في العاصمة، لم يعد مجرد منشأة هندسية متضررة من الحرب، بل أصبح نموذجاً واضحاً للتعقيدات المالية التي تواجه تنفيذ مشاريع الإعمار في ظل بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع التضخم وتدهور قيمة العملة المحلية.
الإعمار يبدأ من التمويل
إعادة تأهيل الجسور والطرق لا تعتمد فقط على توفر الخبرة الهندسية، بل تتطلب قبل ذلك منظومة تمويل مستقرة تضمن للمقاول القدرة على تنفيذ المشروع دون التعرض لمخاطر مالية غير محسوبة.
وفي حالة السودان، تبرز مشكلة رئيسية تتمثل في أن كثيراً من مدخلات مشاريع البنية التحتية – مثل المعدات والآليات وقطع الغيار وبعض المواد الإنشائية – ترتبط بأسعار العملات الأجنبية، بينما يتم توقيع العقود عادة بالعملة المحلية.
ومع الانخفاض السريع في قيمة الجنيه، تتغير معادلة التكلفة بشكل كبير خلال فترة التنفيذ، الأمر الذي يجعل المقاول معرضاً لتآكل هامش الربح، وربما الدخول في خسائر إذا لم تتوفر آليات مالية تحمي المشروع من تقلبات سعر الصرف.
معادلة المقاول الصعبة
في مثل هذه الظروف، يجد المقاول نفسه أمام معادلة معقدة:
تكاليف تنفيذ ترتفع باستمرار نتيجة التضخم وتقلبات سعر الصرف، مقابل عقود ثابتة القيمة، إضافة إلى صعوبة الحصول على تمويل مصرفي يغطي الفجوة بين تكلفة التنفيذ وقيمة العقد.
وهذه المعادلة لا تؤثر فقط على شركة بعينها، بل قد تحد أيضاً من قدرة الشركات الوطنية على المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار الكبرى التي تحتاجها البلاد في هذه المرحلة.
دور الدولة في تقليل المخاطر
إذا كانت الدولة هي المالكة للمشروع والممول النهائي له، فإن توفير بيئة تمويلية مستقرة يصبح جزءاً أساسياً من مسؤوليتها في إنجاح هذه المشاريع.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات المالية الحكومية، وعلى رأسها البنك المركزي، في دعم مشاريع البنية التحتية الإستراتيجية من خلال توفير ضمانات أو تسهيلات تساعد الشركات المنفذة على تجاوز مخاطر التمويل وتقلبات العملة.
ففي كثير من تجارب إعادة الإعمار حول العالم، لا يقتصر دور الدولة على طرح المشاريع، بل يمتد أيضاً إلى توفير مظلة مالية وضمانات سيادية تشجع الشركات والمصارف على الدخول في هذه المشاريع بثقة أكبر.
بين الحاجة الملحة وكلفة التأخير
كبري الحلفايا ليس مجرد طريق يعبر النيل، بل يمثل شرياناً حيوياً لحركة النقل والتجارة في العاصمة. وكلما تأخرت أعمال الصيانة، زادت احتمالات تدهور حالته الفنية وارتفعت تكلفة إعادة تأهيله مستقبلاً.
لذلك فإن معالجة قضية التمويل لمثل هذه المشاريع لا ينبغي أن تُنظر إليها كمسألة إجرائية، بل كجزء أساسي من استراتيجية إعادة الإعمار التي يحتاجها السودان في المرحلة المقبلة.
فإعادة بناء الجسور والطرق تبدأ في النهاية من بناء الثقة المالية والاقتصادية التي تجعل تنفيذ هذه المشاريع ممكناً ومستداماً.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات