بقلم / أبوعبيده أحمد سعيد محمد saeed.abuobida5@gmail.com
في خطوة تعكس حرصه على حماية الاستقرار المالي في البلاد، وجّه بنك السودان المركزي المصارف العاملة في السودان بمنشور بتاريخ ١٢ مارس ٢٠٢٦ بتكثيف إجراءات متابعة تحصيل التمويل المتعثر، وذلك في ظل الظروف الاقتصادية المعقدة التي تمر بها البلاد بسبب الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي.
وجاء في منشور صادر عن البنك المركزي أن على المصارف البدء فوراً في تفعيل كافة الإجراءات التي تضمن تحصيل المديونيات المستحقة، عبر تنشيط إدارات التحصيل ولجان المتابعة وتكثيف كل الخطوات المرتبطة بمتابعة التمويلات المتعثرة.
كما منح البنك المركزي المصارف الضوء الأخضر لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد العملاء المتعثرين، بما في ذلك تسييل الضمانات أو حيازتها عند الضرورة، وذلك بهدف الحد من الآثار السالبة لظاهرة التعثر المصرفي على الأوضاع المالية للمصارف.
ويأتي هذا التوجيه في وقت تواجه فيه المؤسسات المصرفية تحديات كبيرة نتيجة توقف العديد من الأنشطة الاقتصادية وتعطل الأعمال في مناطق واسعة من البلاد، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات التعثر في سداد التمويلات.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الملاءة المالية للمصارف والحفاظ على قدرتها على القيام بدورها الأساسي في الوساطة المالية وتمويل النشاط الاقتصادي، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
ومع ذلك، يطرح القرار عدداً من الأسئلة العملية التي تشغل الرأي العام والمهتمين بالقطاع المصرفي. فالكثير من عمليات التمويل في السودان كانت تتم بضمانات مختلفة، من بينها الشيكات الضامنة. وهنا يبرز سؤال مهم: هل ما زالت المصارف تحتفظ بهذه الشيكات حتى تتمكن من فتح بلاغات قانونية ضد العملاء المتعثرين؟
كما يبرز تساؤل آخر يتعلق بالضمانات العقارية، إذ إن العديد من التمويلات كانت مضمونة بعقارات أو أصول إنتاجية. فهل تستطيع المصارف في ظل الظروف الحالية بيع هذه العقارات المرهونة وتسييلها فعلياً؟
ولا يتوقف الأمر عند العقارات فقط، فبعض الضمانات تشمل مصانع أو معدات أو منقولات مرتبطة بالنشاط الإنتاجي. وهنا يطرح الواقع الذي فرضته الحرب سؤالاً أكثر تعقيداً: هل ما زالت هذه الأصول موجودة في مواقعها أصلاً، أم أن بعضها تعرض للتلف أو النهب أو توقف عن العمل؟
كما أن عملية تسييل الضمانات نفسها قد تواجه تحدياً آخر، وهو ضعف حركة السوق في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، ما قد يجعل بيع هذه الأصول أمراً صعباً أو يتم بأسعار أقل بكثير من قيمتها الحقيقية.
وفي هذا السياق، ألزم البنك المركزي المصارف أيضاً برفع تقارير شهرية توضح الإجراءات التي تم اتخاذها في ملف التحصيل، إلى جانب قياس الأثر الكمي لهذه الإجراءات على حجم التعثر داخل كل مصرف.
كما أشار البنك إلى أنه يعتزم تقييم أداء الإدارات التنفيذية ومجالس الإدارات ولجانها المختلفة في ضوء النتائج المحققة في مجال تحصيل المديونيات ومعالجة حالات التعثر.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى خبراء أن معالجة ملف التمويل المتعثر قد تحتاج إلى مزيج من الإجراءات القانونية والتسويات المالية، بما يحقق التوازن بين حماية حقوق المصارف ومراعاة الظروف الصعبة التي يمر بها كثير من العملاء نتيجة الحرب.
وهكذا يبقى ملف التمويل المتعثر أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع المصرفي في السودان، كما يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات المالية على إدارة المخاطر والحفاظ على الاستقرار المالي في أوقات الأزمات.
