بقلم : مهاد عوض
في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، أصبحنا نسمع كثيرًا من الألقاب تُطلق بلا ضابط ولا معيار. ألقاب كانت يومًا ما ثمرة سنوات من الجهد والعلم والتجربة، باتت اليوم تُمنح بسهولة، وربما تُنتزع دون وجه حق. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل كل من أطلق على نفسه لقبًا أصبح يستحقه فعلًا؟
أول ما يلفت الانتباه هو لقب “دكتور”. فهناك من يضع هذا اللقب أمام اسمه بعد دورة تدريبية قصيرة أو دبلومة لا تتجاوز أسابيع أو أشهر، في مجالات بعيدة تمامًا عن الطب أو البحث العلمي. بينما الحقيقة أن لقب “دكتور” إما أن يُمنح لطبيب درس الطب سنوات طويلة وتحمّل مسؤولية أرواح الناس، أو لباحث أكاديمي حصل على درجة الدكتوراه بعد سنوات من البحث والدراسة.
أما غير ذلك، فهو مجرد لقب بلا سند علمي حقيقي.
والأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد إلى لقب “إعلامي”.
فهل الإعلامي هو من تخرج من كلية الإعلام؟ أم من مارس المهنة واكتسب أدواتها؟ أم أصبح كل من يملك حسابًا على وسائل التواصل الاجتماعي إعلاميًا؟
لا شك أن الإعلام رسالة عظيمة ومسؤولية كبيرة، تتطلب وعيًا وثقافة ومصداقية. فالإعلامي الحقيقي هو من يحمل همّ الكلمة ويعي أثرها في المجتمع، وليس مجرد من ينشر محتوى أو يظهر أمام الكاميرا.
كذلك الحال مع لقب “صحفي”.
هل الصحفي هو كل من يكتب؟ أم من ينشر خواطره أو قصائده؟
الصحافة مهنة لها قواعدها وأخلاقياتها ومسؤولياتها، تقوم على نقل الحقيقة والتحقق من المعلومة وخدمة المجتمع بالكلمة الصادقة.
حتى مهنة التعليم لم تسلم من هذا التداخل. فقد أصبح لقب “معلم” يُطلق على كل من يقدم دروسًا خصوصية أو تعليمًا منزليًا، رغم أن التعليم رسالة سامية تحتاج إلى إعداد علمي وتربوي حقيقي.
وقد قيل قديمًا:
“قم للمعلم وفِّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولًا.”
وما قيل في المعلم لم يكن مبالغة، بل تقديرًا لدوره العظيم في بناء الأجيال.
إن المشكلة ليست في الألقاب بحد ذاتها، بل في تفريغها من معناها الحقيقي. فعندما تُمنح الألقاب لمن لا يستحقها، يفقد المجتمع احترامه لها، ويُظلم من بذلوا أعمارهم في طلب العلم والعمل.
لذلك يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحتاج اليوم إلى إعادة الاعتبار للألقاب؟ أم إلى إعادة الاعتبار لقيمة الجهد والعلم الذي يقف خلفها؟
فالألقاب الحقيقية لا تُمنح بالكلمات…
بل تصنعها السنين، ويشهد لها العمل. ✍️
