الكاتب والمحلل السياسي / زكريا علي عبدالرسول
لم تكن استقالة أحمد هارون حدثاً تنظيمياً عادياً يمكن إدراجه في خانة التغييرات الروتينية داخل أي تنظيم سياسي. فالتوقيت الذي جاءت فيه هذه الخطوة — بعد يوم واحد فقط من قرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية — يجعلها أقرب إلى مؤشر سياسي على بداية مرحلة جديدة من التحولات داخل التيار الإسلامي السوداني.
في السياسة، لا يُقرأ الحدث بمعزل عن سياقه، ولا يُفهم القرار دون توقيته. ولهذا فإن استقالة هارون تبدو كأنها أول ارتدادات الزلزال السياسي الذي أحدثه قرار التصنيف، بل وربما تكون أول محاولة لاحتواء تداعياته قبل أن تتسع دوائر تأثيره داخلياً وخارجياً.
من المعروف أن اسم أحمد هارون ظل لسنوات طويلة أحد أبرز الوجوه المرتبطة بنظام عمر البشير وبالهيكل التنظيمي الذي حكم السودان لثلاثة عقود عبر المؤتمر الوطني. كما ارتبط اسمه بملفات دارفور التي ظلت محل متابعة من قبل المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي جعل حضوره في الواجهة السياسية دائماً محل جدل وضغط دولي.
لهذا السبب تحديداً، تبدو الاستقالة في هذا التوقيت وكأنها محاولة لخفض الكلفة السياسية عن التنظيم في لحظة تتكثف فيها الضغوط الدولية والإقليمية على التيار الإسلامي في السودان.فالقرار الأخير بتصنيف الإخوان لا يقتصر تأثيره على البعد السياسي فقط، بل يمتد إلى ملفات أكثر حساسية، مثل التمويل، والتحركات التنظيمية، والعلاقات الخارجية. وهي ملفات تجعل أي تنظيم يوضع تحت هذا التصنيف عرضة لرقابة صارمة وربما لعقوبات أوسع.
ومن هنا يمكن قراءة استقالة هارون باعتبارها رسالة في اتجاهين.
الاتجاه الأول موجه إلى الخارج، ومفاده أن الحركة الإسلامية في السودان قد بدأت بالفعل عملية مراجعة داخلية وإعادة ترتيب لقياداتها، وربما محاولة تقديم صورة مختلفة أقل ارتباطاً بمرحلة الحكم السابقة.
أما الاتجاه الثاني فهو رسالة إلى الداخل، حيث تدرك القيادات الإسلامية أن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة تماماً عن كل ما سبق. فالحرب الدائرة منذ الحرب في السودان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع أعادت رسم خطوط الصراع السياسي في البلاد، وفتحت الباب أمام ترتيبات إقليمية ودولية قد تعيد تشكيل الخريطة السياسية بالكامل.
وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، غالباً ما تلجأ التنظيمات السياسية إلى إعادة تموضع تكتيكي، سواء عبر تغيير القيادات أو إعادة بناء الهياكل التنظيمية أو حتى التحول إلى واجهات سياسية جديدة.
لكن السؤال الأهم يبقى:
هل استقالة أحمد هارون مجرد خطوة تكتيكية لامتصاص الضغوط، أم أنها بداية عملية أعمق قد تصل إلى تفكيك البنية التنظيمية التقليدية للإخوان في السودان وإعادة تشكيلها بصورة مختلفة؟
الإجابة على هذا السؤال لن تتضح فوراً، لكن المؤكد أن قرار التصنيف الدولي وضع التيار الإسلامي السوداني أمام أكبر اختبار سياسي وتنظيمي منذ سقوط نظام البشير في عام 2019.
فإما أن ينجح هذا التيار في إعادة صياغة نفسه ضمن واقع سياسي جديد، وإما أن يكون ما يحدث اليوم مجرد بداية لمسار طويل من التفكك والتراجع.
وبين هذين الاحتمالين، تبدو استقالة أحمد هارون وكأنها العلامة الأولى على أن مرحلة كاملة في تاريخ الإسلاميين في السودان قد بدأت بالفعل في الأفول، وأن زمناً سياسياً جديداً يطرق الأبواب بقوة.
،،، سروري مع خالص تحياتي ،،،
