بقلم: أبوعبيده أحمد سعيد محمد saeed.abuobida5@gmail.com
يُعد البنك الزراعي السوداني من أعرق المؤسسات الاقتصادية في السودان، إذ تأسس بموجب قانون البنك الزراعي السوداني لسنة 1957 ليكون أول بنك وطني متخصص في تمويل الزراعة ودعم الإنتاج الزراعي. وقد بدأ البنك نشاطه الفعلي عام 1959 بهدف واضح يتمثل في النهوض بالقطاع الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي للسودان.
قد نصّ القانون الذي أُنشِئ بموجبه البنك الزراعي السوداني على تقديم التسهيلات اللازمة للنهوض بالزراعة وتطويرها، وذلك من خلال توفير التمويل والخدمات والمساعدات للمزارعين والأنشطة المرتبطة بالإنتاج الزراعي. كما منح القانون البنك شخصيةً اعتباريةً مستقلة وصلاحياتٍ مصرفية تشمل التمويل وقبول الودائع واستثمار الأموال، بما يخدم المصلحة القومية للبلاد.
الزراعة والسيادة الوطنية
هناك حقيقة اقتصادية وسياسية لا يختلف حولها اثنان، وهي أن الأمة التي لا تمتلك غذاءها لا تمتلك قرارها. فالأمن الغذائي ليس مجرد قضية إنتاج زراعي، بل هو جزء من سيادة الدول واستقلال قرارها الاقتصادي والسياسي.
وقد كان السودان عبر تاريخه الزراعي بلداً منتجاً ومصدراً للعديد من المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القطن الذي اشتهر عالمياً بجودته العالية. وكان الشعار الاقتصادي المعروف يعبر عن هذه الحقيقة:
“الخرطوم تزرع ولانكشير تصنع”، في إشارة إلى القطن السوداني الذي كان يُصدَّر إلى مصانع النسيج في Lancashire ليتم تحويله إلى منسوجات تدخل في صناعة العديد من العلامات التجارية العالمية.
دور البنك الزراعي السوداني في دعم الإنتاج
ظل البنك الزراعي السوداني لعقود طويلة الممول الرئيسي للقطاع الزراعي في السودان، حيث وفر التمويل للمزارعين لشراء التقاوي والأسمدة والآليات الزراعية، كما قدم خدمات مصرفية وتمويلية ساعدت في استمرار الإنتاج الزراعي في المشاريع المطرية والمروية.
كما اعتمد البنك الزراعي السوداني بصورة كبيرة على صيغة التمويل الإسلامي المعروفة بـ”السلم” لتمويل المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة، وهي صيغة تساعد المزارعين على الحصول على التمويل قبل موسم الحصاد.
أصول استراتيجية تخدم الأمن الغذائي
يمتلك البنك الزراعي السوداني بنية تحتية استراتيجية تعد من أهم الأصول المرتبطة بالأمن الغذائي في البلاد، ومن أبرزها:
• صوامع الغلال الاستراتيجية، ومنها صومعة بورتسودان بسعة تقارب 50 ألف طن، وصومعة القضارف بسعة تصل إلى 100 ألف طن، إضافة إلى صوامع أخرى مثل صومعة ربك، وهي منشآت حيوية لتخزين القمح والذرة والمحاصيل الاستراتيجية.
• شبكة من المخازن والمستودعات الريفية في مناطق الإنتاج الزراعي، تساعد على حفظ المحاصيل وتقليل الفاقد بعد الحصاد.
• مركز متطور للاستشعار عن بعد يستخدم تقنيات الأقمار الصناعية ونظم المعلومات الجغرافية لمتابعة المواسم الزراعية وتقدير حجم الإنتاج قبل الحصاد.
هذه الأصول لا تمثل مجرد استثمارات مالية، بل تشكل جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الغذائي الوطني.
تحديات كبيرة في السنوات الأخيرة
واجه البنك الزراعي السوداني في السنوات الأخيرة تحديات كبيرة نتيجة الظروف الاقتصادية والحرب التي أثرت على القطاع الزراعي، كما تعرضت العديد من المشاريع الزراعية للدمار أو التوقف، الأمر الذي انعكس على قدرة المزارعين على سداد التمويل.
كما أدى تعثر بعض المزارعين إلى تآكل رأس مال البنك الزراعي السوداني، وهو ما يتطلب تدخلاً واضحاً لدعمه وتعزيز قدرته على الاستمرار في أداء دوره التنموي.
الحلول السهلة ومخاطرها
في مثل هذه الظروف، قد تبدو بعض الحلول السهلة مغرية، مثل تقليص دور البنك الزراعي السوداني أو تحويله إلى بنك تجاري تقليدي أو حتى خصخصته. وقد يبدو هذا الخيار حلاً سريعاً لبعض المشكلات المالية في الأجل القصير.
لكن مثل هذه الحلول تحمل مخاطر كبيرة على المدى الطويل. فالأمة التي لا تمتلك غذاءها ولا تمتلك صوامع غلالها تصبح معتمدة على الآخرين في أهم مقومات حياتها.
إن فقدان مؤسسة مثل البنك الزراعي السوداني لا يعني فقط فقدان بنك، بل يعني فقدان أداة استراتيجية لتمويل الزراعة وتأمين الغذاء.
دروس من تجارب سابقة
لقد شهد السودان في السابق تجربة خصخصة بعض المؤسسات المالية التنموية، ومن بينها البنك الصناعي السوداني، وهي تجربة يرى كثير من الخبراء أنها لم تحقق الأهداف التنموية المرجوة وأدت في بعض الجوانب إلى تراجع الدور التنموي للتمويل الصناعي.
ولهذا فإن تكرار التجربة نفسها مع البنك الزراعي السوداني قد يؤدي إلى نتائج أكثر خطورة، لأن الأمر هذه المرة يتعلق بالغذاء والأمن الغذائي.
دعم البنك الزراعي السوداني ضرورة وطنية
إن الخيار الاستراتيجي الصحيح ليس إضعاف البنك الزراعي السوداني، بل دعمه وتقوية رأس ماله حتى يتمكن من الاستمرار في تمويل الإنتاج الزراعي.
كما ينبغي أن يحتفظ البنك الزراعي السوداني بدوره الريادي في دعم القطاع الزراعي، لأن الزراعة ليست نهاية السلسلة الاقتصادية، بل هي بداية سلسلة إنتاجية تقود إلى قيام الصناعات الزراعية والغذائية.
فالقطاع الزراعي القوي يخلق أساساً متيناً لقيام الصناعات المرتبطة به، مثل الصناعات الغذائية والنسيجية والتحويلية.
مستقبل الأمن الغذائي في السودان
إن الحفاظ على البنك الزراعي السوداني كمؤسسة وطنية قوية ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو قرار استراتيجي يتعلق بمستقبل السودان.
فإذا فقد السودان مؤسساته التي تمول الزراعة، فإن غذاءه قد يصبح في يد الآخرين. أما إذا تم دعم البنك الزراعي السوداني وتقويته، فإنه يمكن أن يقود نهضة زراعية حقيقية تعيد للسودان مكانته كأحد أهم البلدان الزراعية في المنطقة.
إن دعم البنك الزراعي السوداني هو في الحقيقة دعم للأمن الغذائي والاستقلال الاقتصادي والسيادة الوطنية.
