الكاتب والمحلل السياسي/ زكريا علي عبدالرسول
ليست أزمة دارفور مجرد فصل عابر في تاريخ الصراعات السودانية، بل هي قصة طويلة من الوعي السياسي المبكر الذي سبق الانفجار المسلح بعقود. فقبل أن تظهر الحركات المسلحة وتتصدر عناوين الأخبار، كانت دارفور قد بدأت بالفعل رحلة مختلفة؛ رحلة البحث عن مكان عادل داخل الدولة السودانية عبر الجبهات المدنية والتنظيمات السياسية.
إن قراءة هذه الرحلة تكشف حقيقة غالباً ما يتم تجاهلها:
دارفور لم تبدأ بالسلاح، بل بدأت بالكلمةوالتنظيم السياسي.
- ميلاد الوعي السياسي الدارفوري:-
بعد سنوات قليلة من استقلال السودان عام 1956، بدأت النخب الدارفورية تدرك أن الدولة الوطنية التي وُلدت حديثاً تعاني خللاً عميقاً في توزيع السلطة والتنمية بين المركز والأقاليم. فقد ظل إقليم دارفور، رغم ثقله السكاني والتاريخي، بعيداً عن مراكز القرار السياسي والاقتصادي.
في هذا السياق التاريخي ظهرت جبهة نهضة دارفور في ستينيات القرن الماضي، لتكون أول محاولة منظمة للتعبير عن مطالب الإقليم داخل الإطار السياسي السوداني. لم تكن الجبهة حركة احتجاج عاطفية، بل مشروعاً سياسياً واضحاً يطالب بتنمية الإقليم وتمثيله العادل في مؤسسات الدولة.
كان ذلك الإعلان المبكر عن أن قضية دارفور ليست قضية خدمات فقط، بل قضية عدالة في بنية الدولة نفسها. - محاولة إصلاح الدولة من الداخل:-
مع مرور الوقت اتسع نطاق هذا الوعي، وبدأت تتشكل تيارات وتنظيمات جديدة تسعى إلى بلورة الخطاب الدارفوري سياسياً. ومن بين هذه التنظيمات برزت جبهة سوني التي مثّلت امتداداً لروح الاحتجاج المدني داخل الإقليم.حاولت هذه الجبهات أن تجعل من قضية دارفور جزءاً من الحوار الوطني السوداني، رافعة شعارات التنمية المتوازنة والمشاركة السياسية العادلة. وكانت ترى أن الطريق إلى إنصاف الإقليم يمر عبر الإصلاح السياسي داخل الدولة لا عبر المواجهة المسلحة.غير أن هذه الجهود اصطدمت بواقع سياسي لم يكن مستعداً للاستماع بجدية إلى صوت الأقاليم البعيدة. فظلت مطالب دارفور تدور في هامش السياسة السودانية، بينما تتراكم في الداخل مشاعر الإحباط والتهميش. - التحولات الكبرى في الإقليم:-
خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بدأت دارفور تواجه تحديات مركبة زادت من تعقيد المشهد. فقد ضربت موجات الجفاف والتصحر أجزاء واسعة من الإقليم، مما أدى إلى ضغط كبير على الموارد الطبيعية، خاصة الأرض والمياه.ومع ضعف حضور الدولة وتراجع قدرتها على إدارة التوازنات المحلية، تصاعدت النزاعات القبلية وبدأت البنية الاجتماعية التقليدية تتعرض لاختبارات قاسية. في هذه الأجواء تحولت قضية دارفور تدريجياً من قضية تنمية وإدارة سياسية إلى أزمة أمنية واجتماعية متشابكة.لكن رغم هذه التحولات ظل الأمل قائماً لدى كثير من النخب الدارفورية في إمكانية إصلاح الوضع عبر العمل السياسي. - انسداد الأفق السياسي:-
مع نهاية القرن العشرين بدأ هذا الأمل يتآكل. فالقنوات المدنية التي حاولت التعبير عن مطالب دارفور لم تحقق اختراقاً حقيقياً في بنيةالسلطة، بينما استمر الإقليم يعاني من التهميش وضعف التنمية. هذا الواقع دفع جيلاً جديداً من أبناء دارفور إلى مراجعة التجربة السابقة. فبدلاً من الاكتفاء بالمطالب المدنية، بدأ يتشكل تيار يرى أن المشكلة لم تعد في السياسات فقط، بل في طبيعة الدولة المركزية نفسها. وهكذا بدأ الوعي الدارفوري يدخل مرحلة جديدة أكثر حدة.
•الانتقال من السياسة إلى التمرد:-
في مطلع الألفية الجديدة ظهر هذا التحول بوضوح مع نشأة حركات مسلحة مثل حركة تحرير السودان و حركة العدل والمساواة. رفعت هذه الحركات شعارات إنهاء التهميش وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس أكثر عدلاً.لكن ظهور هذه الحركات لم يكن قطيعة مع الماضي، بل كان امتداداً لمسار طويل من الوعي السياسي الذي بدأ منذ الستينات عبر الجبهات المدنية. فالعديد من كوادر هذه الحركات نشأوا في بيئة فكرية وسياسية تأثرت بذلك الإرث المدني.وبذلك يمكن القول إن السلاح في دارفور لم يكن البداية، بل كان المرحلة الأخيرة في تطور خطاب سياسي بدأ مدنياً وسلمياً قبل عقود.
خلاصة القول ، إن رحلة دارفور من الجبهات المدنية إلى ساحات التمرد تكشف عن مفارقة عميقة في تاريخ السودان الحديث. فقد امتلك الإقليم وعياً سياسياً مبكراً بقضية التهميش، لكنه لم يجد دولة قادرة على استيعاب هذا الوعي وتحويله إلى مشروع وطني جامع.وهكذا تحولت دارفور، عبر مسار طويل من الإحباطات السياسية والتحديات الاجتماعية، من ساحة للمطالب المدنية إلى واحدة من أعقد بؤر الصراع في السودان.
إن فهم هذه الرحلة ليس مجرد قراءة للتاريخ، بل هو مفتاح ضروري لفهم مستقبل السودان نفسه؛ لأن الأزمات التي تبدأ في الأطراف كثيراً ما تكشف حقيقةطبيعة الدولة في المركز.وضيق افق القائمين علي امرها ، وضعف خبره وسوء ادارك في فهم ادارة الازمات.
،،، سروري وخالص تحياتي ،،،
