الثلاثاء, مارس 10, 2026
الرئيسيةمقالاتذاكرة الميلاد في القرى السودانية

ذاكرة الميلاد في القرى السودانية

كتبت / إيثار عبدالحميد

في الأزمنة التي كانت القرى فيها أكثر هدوءا وأشد قربا من روح الناس كانت الحياة تسير بإيقاع مختلف
لم تكن المؤسسات كثيرة ولا الطرق معبدة ولا المستشفيات قريبة
لكن المجتمع كان ممتلئا بروح التكافل وكان الناس يحيطون بعضهم ببعض كما تحيط الدائرة بنقطة مركزها
في ذلك الزمن كانت المرأة تقف في قلب هذا المشهد
لم تكن مجرد فرد في المجتمع بل كانت عمودا من أعمدته الخفية
تحفظ البيوت وتشد أواصر القربى وتمنح الحياة معناها اليومي البسيط
ومن بين هذه الصور الإنسانية تبرز سيرة القابلة ( رقية عمر محمد الفضل عبد الرحيم ) كما يوثقها كتاب [ امرأة من زمن روح ] للدكتور : عاصم محمد العوض
سيرة إمرأة لم تكتب تاريخها في السجلات بل كتبته في ذاكرة الناس
في قرية الهجيليج بشرق الجزيرة قرب مصنع سكر الجنيد عاشت رقية عمر تمارس دورها بهدوء وثبات
منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى مطلع السبعينات كانت بيتها محطة للحياة
لم يكن المنزل مجرد جدران وسقف بل كان مكانا تقصده النساء في لحظة الميلاد تلك اللحظة التي تختلط فيها رهبة الألم بفرح البداية
كانت القابلة في القرية أكثر من صاحبة مهنة كانت موضع ثقة
وصاحبة خبرة وشاهدة على بداية الحكايات الإنسانية الصغيرة التي تتشكل منها حياة المجتمع
وفي حضورها تظهر ملامح المرأة السودانية كما عرفتها القرى القديمة امرأة صبورة ماهرة تعرف مسؤوليتها تجاه أهلها وجيرانها وتؤدي دورها في صمت دون انتظار مقابل ..
لكن هذا الدور لم يكن معزولا عن المجتمع فالقرية نفسها كانت حاضنة لهذا العمل الإنساني
كانت شبكة العلاقات الممتدة بين الأسر وخشوم البيوت تخلق مناخا من الدعم والتعاون
حيث تتقاطع صلات النسب والمحبة وتمتد من بيت إلى بيت ومن قرية إلى أخرى
وفي مثل هذا المناخ يصبح العمل الفردي جزءا من روح جماعية أوسع
فتتحول امرأة واحدة إلى ذاكرة لقرية كاملة
وتصبح لحظات الميلاد التي شهدتها صفحات حية في تاريخ المكان
لهذا لا يكتفي الكتاب بسرد سيرة امرأة بل يفتح نافذة على زمن مختلف
زمن كانت فيه القرى تبنى بالمودة ويقاس فيه حضور الإنسان بقدر ما يمنح من عطاء
إن حكاية ( رقية عمر محمد الفضل عبد الرحيم ) ليست فقط حكاية قابلة عاشت بين الناس
بل حكاية مجتمع كامل كان يرى في المرأة شريكة في حفظ الحياة وصناعة المستقبل
وإذا كان الزمن قد تغير كثيرا فإن مثل هذه السير تظل تذكيرا بأن قوة المجتمعات لا تقوم فقط على المدن الكبيرة والمؤسسات الحديثة
بل على تلك الأرواح البسيطة التي صنعت الحياة بهدوء وتركت أثرها في الذاكرة الجماعية للأماكن والناس .

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات