الإثنين, مارس 9, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة الحرب بوابة مشروع إعادة هندسة الشرق الأوسط نايلة علي محمد الخليفة

في كل مرة تشتعل فيها مواجهة كبرى في الإقليم ، لا تكون حدودها الجغرافية هي ما يحدد مداها الحقيقي ، بل الحسابات السياسية التي تُدار خلف الكواليس ، الحديث عن استهداف إسرائيل والولايات المتحدة لإيران لا يمكن قراءته كحدث عسكري فقط ، بل كجزء من مشهد أكثر تعقيدًا ، تتداخل فيه المصالح ، وتُعاد فيه صياغة موازين القوة في المنطقة.

السيناريو الأقرب ليس حربًا ثنائية او ثلاثية مغلقة ، وإنما حالة سيولة أمنية تمتد تداعياتها إلى دول أخرى ، بتخطيط اسرائيلي أمريكي متفق عليه ، سواء عبر ضربات مباشرة أو عبر أدوات غير تقليدية ، في مثل هذه الوقائع ، يصبح الارتباك الإقليمي فرصة ثمينة لاسرائيل ، فتتحول الفوضى إلى بيئة خصبة لإعادة ترتيب الأوراق ، وليس مستبعدًا او من المؤكد ، أن تُستغل اسرائيل هذه الحالة لتنفيذ عمليات نوعية تطال عمق بعض دول الخليج وتركيا ، بهدف إضعاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية ، وتنسب ذلك لإيران لتوسيع شقة الخلاف بينها وتلك الدول ، وفرض واقع جديد تتصدر فيه إسرائيل المشهد كقوة مهيمنة بعد إنهاك الجميع ، وهو احتمال يراه بعض المراقبين منسجمًا مع المصالح الأمريكية الإسرائيلية التي تسعى لإعادة هندسة توازنات الإقليم بما يخدم تفوقًا طويل الأمد للصهاينة في الشرق الاوسط.

وفي قراءة أوسع ، يذهب هذا الطرح إلى أن ملامح هذا المسار لم تتشكل اليوم ، بل جرى التمهيد لها عبر عقود طويلة من السياسات التي استهدفت تحجيم قوى إقليمية وخلق بيئة صراع دائمة ، من العراق وما تعرض له من إضعاف تحت ذرائع متعددة ، إلى موجات التغيير التي شهدتها بعض الدول العربية ، والتي أفضت في كثير من الأحيان إلى إنهاك الداخل وإشغاله بأزماته ، كما لا يغيب عن هذا التصور ما شهدته تركيا من محطات توتر ومحاولات لخلخلة استقرارها ، وبحسب هذه القراءة ، فإن المرحلة الحالية هي امتداد لذلك المسار ، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية مع حملات تضليل محتملة ، قد تُنسب فيها بعض الضربات إلى أطراف أخرى ، في ظل مشهد إقليمي شديد التعقيد.

لكن اختزال المشهد في فاعل واحد أو اثنين قد يكون مضللًا ، الولايات المتحدة ، على سبيل المثال ، ليست مجرد داعم تقليدي ، بل لاعب يحسب خطواته وفق شبكة مصالح معقدة ، تشمل أمن الطاقة ، واستقرار الحلفاء ، ومنع أي قوة إقليمية من الانفراد بالتأثير ، في المقابل ، تجد دول المنطقة نفسها بين مطرقة التهديدات الأمنية وسندان التوازنات الدولية ، ما يدفع بعضها إلى سياسات حذرة ، وأخرى إلى اصطفافات واضحة.

المشكلة الحقيقية ليست فقط في احتمالات اتساع الصراع ، بل في هشاشة الداخل العربي أمام ارتدادات المشهد المحتملة ، فحين تكون الجبهة الداخلية مشغولة بأزماتها ، تصبح أكثر قابلية للتأثر ، وأقل قدرة على المبادرة ، وهنا تحديدًا تتحول الصراعات الخارجية إلى عامل ضغط إضافي ، لا مجرد حدث عرضي.

ما يجري اليوم ليست مواجهة عسكرية فحسب ، بل اختبار جديد لوعي المنطقة وقدرتها على قراءة ما وراء الحدث ، لأن الخطر الأكبر لا يكمن في الضربات نفسها ، بل في الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الإقليم فيما بعد… لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات