الجمعة, مارس 6, 2026
الرئيسيةمقالاتعلي ضفاف الحياة ...

علي ضفاف الحياة حين يتقدّم الفراغ… ويتراجع الامتياز

كتبت : مهاد عوض

في كل مناسبة، في كل اجتماع، في كل قاعة مزدحمة بالأصوات والوجوه… هناك مشهد يتكرر بصمت.
تجد أصحاب الكفاءة الحقيقية يجلسون في الخلف، بهدوء يليق بثقلهم، وصمت يشبه امتلاءهم.
وتجد في المقابل من يتصدرون المشهد، يملؤون المكان ضجيجًا وحديثًا، لكن بلا أثر حقيقي يُذكر.
الإنسان الممتلئ علمًا وتجربةً وثقةً، لا يحتاج إلى منصة عالية ليُرى، ولا إلى صوت مرتفع ليُسمع. حضوره وحده يكفي. تواضعه ليس ضعفًا، بل إدراك عميق لقيمة ما يحمل. لذلك غالبًا ما تراه يختار الصفوف الخلفية، يراقب، يستمع، ويبتسم بصمت العارفين.
أما من يفتقر إلى المحتوى، فيبحث دائمًا عن الأضواء. يتقدم الصفوف، ويتشبث بالكاميرات، ويتكلم كثيرًا ليغطي على فراغ داخلي لا يملؤه تصفيق ولا مجاملة. فالفراغ يخشى الظل، بينما الامتلاء لا يخاف العتمة.
وليس غريبًا أن نجد أن أعظم العقول أكثر الناس تواضعًا. فكلما ازداد الإنسان علمًا، ازداد يقينًا بحدود معرفته. وكلما اتسعت خبرته، صغر في عينه الادعاء.
في مجتمعاتنا، نحتاج أن نعيد تعريف “الواجهة”. ليست الواجهة من يجلس في المقدمة، بل من يصنع الفرق. ليست القيادة من يرفع صوته، بل من يرفع مستوى من حوله.
قد يتأخر المتميزون في الظهور، لكنهم لا يتأخرون في التأثير.
وقد يتصدر الفارغون المشهد لحظة، لكنهم لا يصمدون طويلًا أمام اختبار الزمن.
في النهاية، يبقى الثابت أن القيم لا تحتاج إلى استعراض، وأن الامتلاء الحقيقي يُرى في التواضع قبل أي شيء آخر.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات