تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في الخليج، لم تتوقف تداعياتها عند حدود الصراع العسكري، بل بدأت موجاتها الارتدادية تتمدد نحو عمق الإقليم بأكمله، والسودان ليس بمنأى عن هذا الحراك المتسارع في بيئة أمنية واقتصادية شديدة التوتر والحساسية.
فطبيعة التداخل بين الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر وشبكات المصالح الاقتصادية الإقليمية تجعل الخرطوم، بدرجات متفاوتة، ضمن دائرة التأثر. وهنا يبرز التحدي المركب أمام الدولة السودانية: حماية أراضيها ومؤسساتها، وضمان سلامة ملايين السودانيين المغتربين الذين يشكلون شريانًا اقتصاديًا واجتماعيًا حيويًا للبلاد.
على المستوى الأمني، يضع التصعيد بلادنا أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تثبيت المؤسسات وحماية البلاد من أي اختراق محتمل، خصوصًا في ظل استمرار الحرب مع المليشيا، في دارفور وبعض أجزاء من كردفان.
فكلما اتسعت رقعة التوتر في الخليج، ارتفع منسوب اليقظة الأمنية في الدول المحيطة. ومن ثمّ يصبح لزامًا على الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى الانتقال من وضع المراقبة إلى الوضع الوقائي، عبر تعزيز حماية المدن الرئيسية والمرافق الحيوية، ورفع جاهزية منظومات الرصد والتأمين، تحسبًا لأي ارتدادات غير مباشرة قد تحملها البيئة الإقليمية.
كذلك من الأهمية تجهيز و إعداد خطط طوارئ لإجلاء السودانيين العالقين في دول الخليج عند الحاجة، إذ يواجه هؤلاء مخاطر متفاوتة بين المباشر وغير المباشر، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنشأ إذا ما تعطلت التحويلات المالية أو اضطربت الأسواق الإقليمية.
وفي الحروب المعقدة كحال الحرب الإيرانية الأمريكية، غالبًا ما تنتقل الصدمات الاقتصادية أسرع من الصواريخ، وهو ما يجعل ملف المغتربين واحدًا من أكثر الملفات حساسية في الحسابات السودانية الراهنة.
اللافت أن الخارجية السودانية أكدت أمس متابعة أوضاع السودانيين في إيران ولبنان وتركيا، مع تقديم الدعم اللازم عبر بعثاتها الدبلوماسية. وتعمل الوزارة على ترتيبات لإجلاء السودانيين من إيران، داعية المواطنين للالتزام بتوجيهات السفارات.
وفي هذا السياق، قال: السفير لدى إيران، عبد العزيز حسن صالح، أن أفراد الجالية السودانية، بما في ذلك الطلاب وأعضاء البعثة، بخير، وأن السفارة على تواصل دائم معهم، مع إصدار تعليمات بالبقاء في أماكنهم وعدم التحرك إلا للضرورة القصوى، وإغلاق المدارس والجامعات، وتوزيع أرقام طوارئ تحسبًا لانقطاع الإنترنت.
كما نوهت السفارة السودانية في قطر، بقيادة السفير بدر الدين عبد الله، سلامة جميع أفراد الجالية والبعثة الدبلوماسية، داعية المواطنين إلى الالتزام بالتعليمات الأمنية وتوخي الحذر والانصياع للإرشادات الرسمية.
هذه الإجراءات تعكس درجة من اليقظة، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن إدارة ملف الرعايا في الخارج لم تعد مسألة قنصلية تقليدية، بل باتت جزءًا من معادلة الأمن القومي . ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق الاستجابة الظرفية إلى بناء منظومة تخطيط متكاملة تربط بين وزارات الخارجية والداخلية والمالية وأجهزة التقدير الاستراتيجي.
سياسيًا: تواجه الخرطوم لحظة دقيقة. فنجاحها في إدارة ارتدادات الحرب يرتبط بقدرتها على الحفاظ على توازن دقيق بين أطراف متباينة، دون الانجرار إلى محاور قد تقيد حركتها لاحقًا. وفي بيئة إقليمية تميل إلى الاستقطاب الحاد، يصبح الحياد الذكي — لا الحياد السلبي — هو الخيار الأكثر عقلانية. ويتطلب ذلك تنسيقًا دبلوماسيًا نشطًا مع دول الخليج لتأمين سلامة الرعايا، مع الإبقاء على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الفاعلين، بما يحفظ هامش المناورة السوداني في مرحلة سيولة عالية.
اقتصاديًا: تبدو الارتدادات مرشحة لأن تكون ملموسة. فارتفاع أسعار النفط عالميًا سيرفع كلفة الاستيراد ويضغط على الميزانية العامة في المدى القصير، بينما يظل أي اضطراب محتمل في تحويلات المغتربين عامل ضغط إضافي على السوق المحلية. غير أن الصورة ليست أحادية السلبية، إذ قد تتيح الأزمة، إذا أُديرت بذكاء، فرصة لتعظيم العوائد من الذهب وبعض الأصول . غير أن اغتنام هذه الفرصة يظل مشروطًا بوجود رقابة فعالة وسدّ منافذ التسرب، حتى لا تتحول الفوائد النظرية إلى خسائر فعلية.
في المحصلة الاستراتيجية، يقف السودان أمام ثلاثة مسارات محتملة: تصعيد إقليمي واسع يفرض ضغوطًا مركبة، أو احتواء متدرج يعيد التوتر إلى سقوف يمكن التنبؤ بها، أو حالة استنزاف طويلة منخفضة الوتيرة تبقي المنطقة في حالة قلق مزمن. وفي كل سيناريو، يظل العامل الحاسم داخليًا هو قدرة الدولة على تثبيت مؤسساتها وتعزيز تماسك جبهتها الداخلية.
توضح قراءة هذه اللحظة أن قوة الدولة لا تُقاس بصلابة خطابها أو حجم تحالفاتها فقط، بل بقدرتها على إدارة أزمات متعددة المستويات. والسودان اليوم يقف عند مفترق طرق: فإما أن يتعامل مع الارتدادات بوصفها تهديدًا ضاغطًا يثقل كاهله، أو يحسن توظيفها كحافز لإعادة ترتيب أولوياته وتعزيز الجبهة الداخلية. وكلما نجحت الخرطوم في تثبيت الداخل، تحولت العواصف إلى فرصة لتعزيز الاستقرار وتعظيم القدرات.
بحسب #وجه_الحقيقة، يصبح السودان في هذه اللحظة نموذجًا لاختبار قدرة الدول على قراءة العواصف قبل وصولها. فالحروب الحديثة لا تعترف بالمسافات البعيدة، ومن لا يستعد مبكرًا قد يجد نفسه داخل دائرة التأثر دون إنذار. والرهان الحقيقي اليوم ليس على تجنب ارتدادات حرب إيران فحسب، بل على بناء دولة قادرة على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى عناصر قوة، حتى لا تصل نيران الإقليم إلى الخرطوم على حين غفلة.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 4 مارس 2026 م Shglawi55@gmail.com
