الخميس, فبراير 19, 2026
الرئيسيةمقالاتالفور… هويةٌ لا تُختزل بين العروبة والأفريقانية

الفور… هويةٌ لا تُختزل بين العروبة والأفريقانية

الكاتب/ زكريا علي عبدالرسول.

ثَمّ حديث هنا  وهناك  عن اصل الفور  نسبا وانتماءا،  فمنهم من ذهب الي انها قبيلة افريقية الاصل والجزور  استنادا الي الجغرافيا واللغه التي يتخاطب بها  افراد القبيلة ، والسحنة الافريقيه الواضحة. وهناك من ذهب إلي انها قبيلة عربيه وفقا للرواية المتواتره  عن الجد مؤسس الدولة الاسلامية  سليمان صولونج اي سليمان العربي حسب الرواية المتواتره، ذلك السلطان صولونج هو الذي يقال عنه انه ابن احمد المعقور بن ابي زيد الهلالي  الذي ينتهي نسبه الي العباس . الذي قدم الي دار فور من ارضي فاس وهي منطقة تقع  في دولة  تونس الحالية،  وتزوج ابنه السلطان التي تسمي  ( كيرا ) أوخيره ، رغم اختلاف النطق فان المعني  واحد. ومنها انبثقت  فرعية  الكيرا ضمن الافرع المكونه لقبيلة الفور.
إن تناولنا  لهوية قبيلة الفور في هذا التوقيت  ليس بالضرورة تحديد الانتماء الاثني الضيق او اثبات نسبها الافريقي او العربي، فالامر اعمق من ذلك بكثير .
كما نشاهد ونقرأ في الاسافير ، فإن هناك تناولا غير موضوعيا لهذه المسأله . وكثيرا من تلك الكتابات هي ليست بدوافع البحث العلمي لمعرفه الحقيقه العرقية والانتساب، وانما هي عبارة عن تحركات روافعها اثنية ذات اهداف سياسية القصد منها تدحين القبيلة وإبقاءها  حبيسه الصرعات التي تجعلها مركونة في زاويه الكمون السياسي غير الفاعل، وافتعال صراعات متوهمة بين فروعها الاصيلة حتي تبدو وكانها فسيفساء  لامكان لها في الفأل السياسي للدوله .في الوقت الذي ينبغي  ان تكون هي جزءا اصيلا في بناء الدوله السودانية الحديثه مستفيدين  من خبرتها الطويلة التي امتدت زهاء الخمس قرون في ادارة دولة فدرالية كاملة الاركان . فالدور الحقيقي لقبيلة الفور هي ان تكون فاعلة  في الحراك  الثقافي والسياسي للدولة السودانية والمساهمة في تأسيسها بالشكل الذي تتساوي فيه كل الثقافات، وغرس بذرة المواطنة الحقة التي يتساوي فيها كل السودانيين  بمختلف اعراقهم  ومعتقداتهم .
قبيلة الفور ليست  مجرد مكوّن اجتماعي في إقليم دارفور غرب السودان، بل هي صفحةٌ أصيلة من تاريخ البلاد، وعنوانا بارزا لفهم تعقيد الهوية السودانية. وحين يُختزل النقاش حولها في ثنائية عرب و أفارقة، او عرب وزرقه ، فإننا لا نناقش حقيقة اجتماعية بقدر ما نعيد إنتاج مأزق الدولة نفسها.
الفور، من حيث الجذور الإثنية واللغة، ينتمون إلى المحيط الأفريقي لغرب السودان. لغتهم الخاصة وتاريخهم الاجتماعي الممتد يضعانهم بوضوح في الإطار الأفريقي. هذه حقيقة موضوعية لا تحتاج إلى دفاع أو إنكار. لكن الهوية لا تُقاس باللغة وحدها، ولا تُختصر في التصنيف العرقي.فمنذ قرون طويلة، تشكّل وعي الفور داخل الفضاء الإسلامي، وتأثروا بالعربية لغةً للدين والتعليم والإدارة، واندمجوا في الحراك الثقافي العربي-الإسلامي دون أن تفقد القبيلة  خصوصيتها. وفي ذروة حضور الفور السياسي قامت سلطنة دارفور، التي بلغت أوجها في عهد السلطان علي دينار، مؤكدة أن الفور لم يكونوا هامشاً تابعاً، بل قوة سياسية ذات سيادة حتى سقوط السلطنة عام 1916.
بهذا المعنى، لا يمكن وضع الفور في خانة “إما أو”. هم أفارقة إثنيا وجغرافيا، وعرب إسلاميون ثقافيا، وسودانيون سياسيا. هذا التركيب ليس تناقضا، بل هو التعبير الطبيعي عن السودان ذاته، ذلك البلد الذي نشأ عند ملتقى العروبة وأفريقيا.
المشكلة لم تكن يوما في  من تكون هوية الفور، بل في إدارة التنوع داخل الدولة السودانية. حين عجزت السلطة عن بناء عقد وطني عادل، تحولت الهوية إلى أداة تعبئة، واستُخدمت الانقسامات الثقافية لتغذية صراعات الأرض والموارد والسلطة. وهكذا جرى تسويق نزاعات دارفور وكأنها صدام عرقي خالص، بينما كانت جذورها أعمق وأعقد من هذا التبسيط المخلّ.
إن اختزال الفور في ثنائية العروبة والأفريقانية يظلمهم، كما يظلم السودان كله. فالسودان لم يكن في يوم من الأيام نقياً في اتجاه واحد، بل ظل فضاءا مركّبا تتداخل فيه الأعراق والثقافات واللغات. والفور يمثلون هذا التداخل بأوضح صوره، مع الاحتفاظ بالأصل، وانفتاح على المجال الحضاري الأوسع.
الهوية حين تُدار بعقل سياسي رشيد تصبح مصدر قوة. وحين تُدار بعقل إقصائي تتحول إلى وقود للانقسام. وتجربة الفور تذكّرنا بأن الأزمة ليست في تعدد الانتماءات، بل في غياب الدولة التي تتسع لها جميعاً.
قبيلة الفور ليست بين العروبة والأفريقانية كما يُروَّج، بل هي تجسيد حيّ لاجتماعهما. وفي الاعتراف بهذا التعدد يكمن الطريق إلى سودانٍ أكثر عدلاً واتساعاً.
       إن معادة الدوله للفور في العهود السابقة  ومحاولة ابعادهم  عن مواقع اتخاذ القرار، يؤكد  عدم قدرة الانظمة  علي الاستفادة من التنوع والاستهانه بخبرات الفور  في فهمها  لادارة التنوع  الذي عزز من قوة  انظمة حكم السلاطين ، آن الاوان ان نقرأ التاريخ جيد ونستقي منها الدروس والعبر.

                     ،،، ودمتم في امان الله ،،،


      

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات