الجمعة, فبراير 20, 2026
الرئيسيةمقالاتبين استعادة الخرطوم ورسائل الحرب والسلام ...

بين استعادة الخرطوم ورسائل الحرب والسلام بقلم: أمين أحمد ودالريف

لم تكن صلاة التراويح في الخرطوم هذا العام مجرد شعيرة دينية عادت إلى مساجد العاصمة بعد انقطاع، بل كانت إعلانًا رمزيًا عن عودة المجال العام إلى الدولة. في المدن التي تخرج من الحرب، لا يُقاس التحول أولًا بعدد البيانات العسكرية، بل بقدرة الناس على العودة إلى طقوسهم اليومية بلا خوف. عودة التراويح تعني أن العاصمة استعادت قدرًا من السيطرة الأمنية يسمح بتجمعات مدنية مفتوحة، وأن الخوف الذي حكم الفضاء العام بدأ يتراجع. لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالًا حاسمًا: هل نحن أمام تحول مستدام، أم لحظة رمزية تحمل رسالة سياسية أكثر مما تعكس استقرارًا مكتملًا؟

في المقابل، جاء خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان بمناسبة رمضان ليؤكد أن مسار “التحرير” مستمر، وأن ما تحقق ميدانيًا ليس نهاية المعركة. هذا الخطاب لا يُقرأ فقط كتعبئة عسكرية، بل كإشارة واضحة إلى أن القيادة ترى أن تثبيت السيطرة الميدانية شرط سابق على أي انتقال سياسي شامل. في منطق الدول الخارجة من الصراع، الحسم الجزئي لا يكفي لبناء تسوية دائمة. الرسالة هنا أن التفاوض، إن حدث، سيكون من موقع تثبيت الدولة لا من موقع موازنة قوى هشة.

غير أن الصورة لا تكتمل دون بيان رئيس الوزراء الذي أدان استهداف فريق قناة الجزيرة في كادقلي. هذا البيان، في ظاهره موقف قانوني وأخلاقي، لكنه سياسي بامتياز. فهو يعيد تثبيت مفهوم احتكار الدولة للشرعية، ويؤكد التزام الحكومة بالقانون الدولي الإنساني، ويبعث برسالة إلى الخارج مفادها أن السلطة المدنية حاضرة في معادلة الدولة، وأن المعركة ليست عسكرية فقط بل قانونية أيضًا. في لحظات التحول، تحتاج الدولة إلى خطاب مزدوج: قوة في الميدان، ومسؤولية في القانون.

وعلى خط موازٍ، يأتي تصريح المبعوث السويسري الذي وعد بتقديم دعم فني لمبادرة السلام. اللافت هنا هو تعبير “الدعم الفني”، لا الوساطة ولا الرعاية السياسية. هذا يعني أن المجتمع الدولي لا يرى أن اللحظة قد نضجت بعد لتسوية شاملة، لكنه مستعد لمساندة إطار إجرائي إذا توفرت شروطه. العالم، بعبارة أخرى، يراقب مرحلة إعادة التموضع في السودان، ويختبر إمكانية الانتقال من الحرب إلى السياسة، دون أن ينخرط بكامل ثقله بعد.

عند جمع هذه الإشارات الأربع، يتضح أننا أمام مرحلة انتقال دقيقة: استعادة رمزية للعاصمة، تثبيت عسكري متواصل، خطاب مدني قانوني، واهتمام دولي حذر. ليست هذه لحظة سلام، لكنها لم تعد أيضًا لحظة انهيار مفتوح. إنها لحظة إعادة تعريف للدولة.

التحدي الحقيقي الآن لا يكمن في إطلاق شعارات الانتصار، ولا في استعجال التسوية، بل في إدارة التوازن بين المسارين: الأمني والسياسي

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات