الخميس, فبراير 19, 2026
الرئيسيةمقالاتأطفال الفاشر ، الأمانة التي تمشي على قدمين. ...

أطفال الفاشر ، الأمانة التي تمشي على قدمين. بقلم/ د. إسماعيل الحكيم



التحية لقناة الجزيرة وهي تضعنا كسودانيين أمام مسؤولية تأريخية أمام من ؟ وهي تنقل إلينا بعضاً من جراحات الحرب وما فعلته المليشيا حين قتلت البراءة وذبحت الطفولة فمن بين غبار الطريق، ومن خلف ألسنة اللهب التي التهمت البيوت والذكريات، خرج أطفال من الفاشر لا يلوّحون لأمّ، ولا يستندون إلى أب. خرجوا فرادى وجماعات، لكنهم في الحقيقة خرجوا وحدهم… وحدهم تمامًا.
لم يعرفوا أحدًا في المنافي، ولم يعرفهم أحد. لا اسم يُنادى في آخر الليل، ولا يدٌ تمتدّ لتربّت على كتفٍ ارتجف من الخوف. أقدام صغيرة قطعت آلاف الكيلومترات هربًا من بطش المليشيا، وقلوب غضّة تعلّمت فجأةً أن العالم قد يضيق حتى لا يتّسع لطفلٍ فقد عائلته. ساروا على الإسفلت المحموم، وعلى الرمال اللاهبة، وعلى طرقٍ لا تعرف الرحمة… ثم انتهى بهم المطاف إلى نزوحٍ آخر، ووجعٍ آخر، ومأوى مؤقت لا يسع الفقد الكبير الذي يسكن صدورهم.
هؤلاء الأطفال ليسوا أرقامًا في كشوفات الإغاثة، ولا صورًا منقولةً في نشرات الأخبار. إنهم أمانة تمشي على قدمين، وامتحان أخلاقي ثقيل على ضمير وطن بأكمله. إن مسؤوليتهم لا تقع على فردٍ بعينه، وإنما هي مسؤولية مشتركة تنتظر أهل السودان جميعًا، وتنتظر قبلهم وزارات الرعاية الاجتماعية، ومنظمات المجتمع المدني والإنساني، والمؤسسات التعليمية والدعوية، وكل من يملك قدرةً على الفعل.
فإن تُرك هؤلاء الصغار في العراء التربوي، بلا احتواءٍ نفسي، ولا كفالةٍ قانونية، ولا منظومة تعليمية تستوعبهم، فإننا لا نخسر طفولتهم فحسب؛ بل نخاطر بمستقبل مجتمعٍ بأسره. سيكبر الفاقد التربوي فيهم كما تكبر الفجوة بين الحلم والواقع، وستتخطفهم عصابات الإجرام كما تتخطف الرياح أوراق الخريف. وحينها لن يكونوا ضحايا فحسب، بل سيُدفع بهم – قسرًا – إلى هامشٍ اجتماعيٍّ قد يتحول إلى تهديدٍ أمنيٍّ متكاثر، ينمو في الظلّ كلما انشغلنا عنه، ويتعاظم كلما تأخرنا في معالجته.
إن المعالجة لا تكون بالعاطفة وحدها، وإن كانت العاطفة شرطًا أوليًا في طريق النجاة. المطلوب خطة وطنية متكاملة، تبدأ بحصرٍ دقيقٍ لهؤلاء الأطفال، وإجراء دراسات وبحوث علمية تكشف احتياجاتهم النفسية والاجتماعية والتعليمية، ثم تصميم برامج تأهيل ورعاية وكفالة، تضمن لهم بيئة أسرية بديلة آمنة، وتعليمًا منتظمًا، ودعمًا نفسيًا متخصصًا يرمم ما تصدّع في أعماقهم. لا سيما أنهم متواجدون في مخيمات النزوح ..
المطلوب أن تتحول المأساة إلى مشروع وطني للإنقاذ، وأن تُستثمر طاقات الجامعات، ومراكز البحوث، والكوادر الاجتماعية، في قراءة هذه الظاهرة قبل أن تستفحل. وأن تُنسّق الجهود بين الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية، بحيث لا يبقى طفلٌ مجهول الهوية، ولا طفلٌ بلا ملف، ولا طفلٌ خارج مظلة الحماية.
فإذا انتهت الحرب – وهي لا بد أن تنتهي – ينبغي ألا نجد أنفسنا أمام جيلٍ شريدٍ بلا سند، بل أمام جيلٍ أُعيد ترتيبه، وضُمِّدت جراحه، وأُعيد إدماجه في المدرسة والمجتمع، وحُفظ له حقه في الحياة الكريمة. إن إعادة الإعمار لا تبدأ بالحجر، ولكن بالبشر ، ولا تُقاس بعدد المباني التي تُشاد، وانما بعدد القلوب التي أُنقذت من الضياع.
أطفال الفاشر اليوم هم سؤال السودان الغد. فإما أن نُجيب عنه بخطةٍ رشيدة، ومسؤوليةٍ جماعية، ووعيٍ استباقي… وإما أن نترك الإجابة للشارع القاسي، والعصابات المنظمة، والفراغ القاتل.
وما بين الخيارين، يقف الوطن كله على مفترق طرق.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات