| د. محمد تبيدي
www.masaribaldai.com
وعلى حد قولي:
إذا ضاق صدرُ المسؤول بالنصيحة
اختنقت الحقيقة بين يديه
المشهد الصحي في ولاية الجزيرة لم يعد يحتمل التبرير ولا التدوير اللغوي. السؤال واضح
أين الخارطة الصحية؟
وأين أثر الدعم الاتحادي؟
وأين نتائج ما قدمته منظمات مثل Qatar Charity وKing Salman Humanitarian Aid and Relief Center؟
هذه ليست شعارات إعلامية، بل أموال ومواد وأدوية وتجهيزات يفترض أن تنعكس على المستشفيات والمراكز الصحية في مدني والحصاحيصا والمناقل وسائر المحليات. لكن الواقع يقول إن الأثر ضعيف، بل شبه غائب.
الولاية خرجت من حرب أكلت الأخضر واليابس. البنية الصحية كانت أول الضحايا، وكان المنتظر أن تتحول وزارة الصحة إلى خلية طوارئ حقيقية، تستثمر كل دعم اتحادي وكل جهد أمني وشعبي. جهاز الأمن والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية قدموا استقراراً ميدانياً يسمح بإعادة تشغيل المؤسسات، وحكومة الولاية فتحت الأبواب للدعم الخارجي، لكن الحلقة الأضعف ظلت الإدارة الصحية نفسها.
الأدوية شحيحة، بعض الأجهزة معطلة، الكوادر تشتكي من غياب التخطيط، والمواطن يدفع من جيبه ما لا يطيق. لا توجد شفافية كافية حول كيفية توزيع الدعم، ولا تقارير مفصلة توضح أين صُرفت المنح، ولا مؤشرات أداء تقيس التحسن. كأن الوزارة تعمل في جزيرة معزولة عن واقع الناس.
الأخطر من ذلك أن دائرة النقاش أصبحت ضيقة. من يرفع صوته بالنقد يجد نفسه خارج المجموعات، وخارج دوائر القرار، بل وحتى خارج مجموعات التواصل على WhatsApp. الرسالة الضمنية صارت واضحة إما أن تكون معنا بالكامل، أو تُصنف ضدنا. هذا منطق لا يبني مؤسسات، بل يهدمها. الصحة العامة لا تُدار بعقلية الولاء، وإنما بعقلية الكفاءة والمساءلة.
إقصاء أصحاب الرأي الآخر لا يحمي المنصب، بل يعريه. حين تتحول الاجتماعات إلى تصفيق، والمجموعات إلى ساحات حذف وطرد، تضيع المعلومة الصحيحة، ويُحجب التنبيه المبكر للأخطاء، وتتراكم الإخفاقات حتى تنفجر في وجه المواطن. الكرامة المؤسسية لا تُصان بالتشبث بالكرسي، وإنما بالقدرة على الاستماع وتحمل النقد.
السيد الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير، والي ولاية الجزيرة، هذه رسالة في بريدكم. الولاية قدمت ما تستطيع من دعم سياسي وأمني، وفتحت الأبواب أمام المنظمات الدولية والإقليمية، لكن النتائج على الأرض لا ترقى إلى حجم الجهد المبذول. إن كانت المشكلة في ضعف الإدارة، فالحل ليس التستر عليها، بل معالجتها جذرياً. وإن كان الوزير غير قادر على تحويل الموارد إلى خدمات، فإفساح المجال لغيره ليس إدانة، بل تصحيح مسار.
المرحلة تتطلب وزيراً يمتلك رؤية واضحة وخطة تشغيلية محددة بمؤشرات زمنية وإعادة تأهيل المستشفيات المرجعية، توفير الإمداد الدوائي باستدامة، ضبط الإحصاءات الوبائية، وإطلاق منصة شفافة لعرض الدعم الوارد وكيفية صرفه. دون ذلك سيظل الدعم مجرد أرقام في تقارير، وصور في نشرات.
الكرسي لا يصنع قيمة، القيمة هي التي تبرر الكرسي. ومن يضيق بالنقد اليوم، سيجد نفسه غداً أمام نقد أشد قسوة من الشارع. الخيار أمام قيادة الولاية واضح إما إصلاح حقيقي يعيد الثقة للمواطن، أو استمرار في دائرة مغلقة عنوانها الإقصاء والتبرير.
الصحة ليست مجالاً للمجاملات. إنها حق أصيل، وإذا ضاع هذا الحق تحت وطأة التشبث بالمناصب، فإن الخسارة لا تقع على مسؤول بعينه، بل على مجتمع كامل. القرار بيدكم، والتاريخ لا ينسى.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة
