الأحد, فبراير 15, 2026
الرئيسيةمقالاتعودة وحيد القرن ...

عودة وحيد القرن “التفاصيل الكامله”

كتب دكتور عبد الشكور حسن احمد( المحامى )

لم يكن ليل وادي سيدنا عادياً كان ليلا طويلا
الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، والخرطوم كلها تحبس أنفاسها انها كتم الانفاس . في القاعة المحصنة اجتمع كبار ضباط الجيش، والوجوه متجهمة كأنها تقرأ صفحة القدر. الضغط الخارجي بلغ ذروته، والضغط الداخلي أشد وقعاً؛ رأس الدولة غائب عن المشهد، والإشاعات تتكاثر كالنار في هشيم المدينة.

كان المتمردون يطلقون أخبارهم كيفما شاؤوا:
(سقطت القيادة)
(انتهى الأمر)،
(الجيش بلا رأس).

لكن خلف الجدران السميكة في وادي سيدنا كان القرار يُصاغ لا بالكلمات، بل بالإرادة.

قال أحد القادة بصوت حاسم:
(يجب أن يخرج القائد بأي طريقة. وجوده علناً سيكسر الشائعة ويعيد ميزان المعركة. وإلا خسرنا السودان )

ثم جاءت العبارة التي حبست أنفاس الجميع:
“إذا تم المساس بسلامته، ستكون ثلاث عواصم لدول الجوار تحت مرمى النيران… لن تبقى خطوط حمراء.”

لم تكن تهديداً للاستهلاك الإعلامي، بل معادلة ردع واضحة. الرسالة مرّرت فوراً إلى كل القيادات الميدانية.
عشرون طائرة خصصت لتغطية عملية الخروج.
المدافع الثقيلة والراجمات وُجّهت فوهاتها صوب الخرطوم، تنتظر الإشارة.

في الجهة الأخرى، كانت القيادة محاصرة بما يقارب ثلاثمائة عربة قتالية تتبع للدعم السريع، تطوّق المكان كحلقة من نار. عربات مزودة برشاشات ثقيلة عيار 14.5 مم، وأخرى تحمل مدافع 23 مم، إضافة إلى منصات صواريخ مضادة للطيران محمولة على الكتف، ورشاشات دوشكا، وقواذف RPG-7، بل وحتى مضادات أرض–جو متنقلة مثبتة على بعض العربات، في مشهد أقرب إلى حصار عسكري مكتمل الأركان.

لم يكن الاقتراب أو المغادرة خياراً سهلاً.
السماء نفسها كانت منطقة قتل محتملة.

على مدرج جانبي غير مضاء في قاعدة وادي سيدنا، كانت مروحية صغيرة من طراز خفيف، تتسع لأربعة ركاب، تدور مراوحها ببطء. على متنها نقيب شاب، ومقدم خبير بالطيران المنخفض، وقائد العملية برتبة لواء، يجلس في المقعد الخلفي صامتاً كتمثال من صخر.

تم ضغط إشارات ليزر خضراء على أرض الهبوط داخل الخرطوم، محددة نقطة النزول بدقة سنتيمترات.
الوقت المحدد: الثانية والنصف صباحاً.

أقلعت المروحية بلا أضواء.
حلقت منخفضة، تلامس قمم المباني، وتخترق ليل الخرطوم الذي كان يغلي تحت أصوات الاشتباكات المتقطعة.

في اللحظة ذاتها، بدأت المرحلة الأولى من الخطة.

انطلقت الطائرات من القاعدة تباعاً، لا لتدمير، بل لتشتيت. قنابل دخان كثيف أُلقيت في محيط الحصار، وقنابل إرباك صوتي أحدثت دوياً أفقد المتمركزين توازنهم اللحظي. السماء اشتعلت، ليس بقصف شامل، بل بسلسلة ضربات تكتيكية محسوبة لإجبار المضادات على إطلاق النار في اتجاهات متعددة.

أطلقت بعض عربات الدعم السريع نيران رشاشاتها الثقيلة عشوائياً في السماء، واخترقت صواريخ مضادة للطيران الظلام كخطوط نار صاعدة، لكن الطائرات كانت تتحرك بارتفاعات متغيرة، وتناورات حادة أربكت الرصد.

هبطت المروحية دقائق معدودة فقط.

كان (وحيد القرن) ينتظر.
ثابتاً، لا يحمل حقيبة، ولا يلتفت خلفه.

صعد بخطوات سريعة، وجلس في المقعد المجاور للواء. لم تُتبادل كلمات كثيرة. النظرات وحدها كانت كافية.

أقلعت المروحية فوراً.
وفي اللحظة التي ارتفعت فيها أمتاراً قليلة، اشتعلت الأرض تحتها برصاص كثيف. إحدى العربات أطلقت رشقة دوشكا اخترقت الهواء خلف الذيل مباشرة. جهاز التحذير في قمرة القيادة أصدر صفيراً حاداً معلناً محاولة قفل صاروخي.

صرخ المقدم:
(مناورة يمين!)

انحرفت المروحية بحدة، ثم انخفضت إلى مستوى خطير، حتى بدت كأنها تلامس النيل. في السماء فوقها كانت الطائرات العشرون قد شكّلت مظلة حماية، بعضها يطلق شعلات حرارية مضادة للصواريخ، وبعضها ينفذ ضربات تحذيرية على أطراف تمركز العربات المسلحة.

دامت الرحلة أقل من عشر دقائق، لكنها بدت دهراً كاملاً.

في الخلف، كان وابل الدخان يغطي موقع الحصار. وعندما بدأت الرؤية تنقشع، كانت المروحية قد تجاوزت منطقة الخطر، ترافقها طائرتان مقاتلتان حتى حدود القاعدة.

هبطت في وادي سيدنا وسط صمت ثقيل.

توقفت المراوح، وفتح الباب الجانبي.

نزل وحيد القرن مهابا بكل عظمة السودان .

لم يكن المشهد احتفالياً، كان مشهدا حاسماً. الضباط الذين حضروا الاجتماع قبل ساعات وقفوا في صف واحد تحية للكبير . لم تُطلق الأناشيد، ولم تُرفع الشعارات. لكن الرسالة وصلت ضجت كل وسائل الاعلام العالمية لعملية لم تخطر فى خيال بشر خروج القائد من حصار مميت

في تلك اللحظة، انكسرت الإشاعة.
عاد الرأس إلى الجسد. والروح الى البدن
وتحولت المعركة من دفاع عن بقاء إلى هجوم على معنويات.

في الخرطوم، كانت العربات الثلاثمائة تعيد تموضعها في ارتباك. أدركوا أن الهدف لم يعد هناك. أن السماء التي ظنوا أنهم يسيطرون عليها كانت مجرد مصيدة من ضوء ودخان وقنابل.

وفي العواصم المجاورة، التُقطت الإشارات. الرسائل غير المعلنة فُهمت جيداً: الخطوط الحمراء لا تزال قائمة. واندهشت كل استخبارات العالم من هذه العملية. عملية. عودة وحيد القرن

في فجر ذلك اليوم، أُعلن الظهور الرسمي للقائد.

صورة واحدة كانت كافية.
الزي العسكري، النظرة الثابتة، والخلفية التي تحمل علم البلاد.

عاد وحيد القرن يتجول فى الاسواق والتجمعات.

لكن العودة لم تكن مجرد انتقال جغرافي من حصار إلى قاعدة عسكرية. كانت عودة للمعنويات، عودة لمركز الثقل، عودة لهيبة الدولة في لحظة كادت تتشظى فيها الصورة.
وتدمر البلاد بلا عودة

ومنذ تلك الليلة، صار وادي سيدنا ليس مجرد قاعدة جوية…
بل شاهداً على لحظة قررت فيها القيادة أن تكسر الطوق، وأن تكتب فصلاً جديداً في معركة لم تكن تُحسم بالرصاص وحده، بل بالإرادة والجرأة.

وكانت الخرطوم، تحت دخان الفجر، تعرف أن الليل مهما اشتد…
لا بد أن يعقبه ظهورالصباح.
هكذا قدم رجال القوات المسلحة ارواحهم الطاهرة الغالية لله ومن ثم للبلاد دون ضجيج او صخب هم رجال صدقوا القسم وصانوا حرمة البلاد
حفظ الله سوداننا الحبيب
والله المستعان

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات