الأربعاء, فبراير 11, 2026
الرئيسيةمقالاتعودة السودان إلى الإيقاد… ضرورة إقليمية تتجاوز السياسة إلى استقرار القرن الإفريقي

عودة السودان إلى الإيقاد… ضرورة إقليمية تتجاوز السياسة إلى استقرار القرن الإفريقي


د. ميمونة سعيد ادم ابورقاب
منذ تأسيس الهيئة الحكومية للتنمية (الإيقاد) عام 1986، ظل السودان أحد أعمدتها الرئيسة، ليس فقط بحكم عضويته المبكرة، بل لما يمثله من ثقل جغرافي وسياسي وأمني في إقليم القرن الإفريقي. فالسودان لم يكن عضوًا عاديًا في المنظمة، بل دولة محورية أسهمت في تشكيل أجندتها، واحتضنت أدوارًا حاسمة في ملفات السلام، الأمن الغذائي، والهجرة، ما يجعل الحديث عن عودته إلى الإيقاد اليوم ضرورة إقليمية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
منذ نشأة الإيقاد، كان السودان حاضرًا بقوة في مساراتها المختلفة، خاصة في ما يتعلق بتسوية النزاعات الإقليمية. فقد لعب أدوارًا محورية في ملفات السلام بجنوب السودان، والصومال، وحتى في الترتيبات الإقليمية المتعلقة بالأمن الحدودي ومكافحة الإرهاب. كما شكّل موقعه الجغرافي الرابط بين شمال إفريقيا وشرقها ووسطها عنصر توازن داخل المنظمة، وساهم في جعل الإيقاد إطارًا جامعًا لدول تختلف في أنظمتها السياسية لكنها تلتقي عند ضرورات الاستقرار المشترك.
ويستمد السودان ثقله الإقليمي من عوامل متعددة؛ فهو دولة ذات عمق سكاني، ومساحة جغرافية واسعة، وحدود مشتركة مع سبع دول، معظمها أعضاء في الإيقاد أو متأثرة مباشرة بتفاعلاتها. كما يشكل السودان ركيزة أساسية في معادلات الأمن الغذائي الإقليمي، بحكم موارده الزراعية الهائلة، وقدرته على الإسهام في سد فجوات الغذاء في الإقليم. إضافة إلى ذلك، فإن أي اضطراب في السودان سرعان ما تتجاوز آثاره حدوده، عبر موجات اللجوء، وانتشار السلاح، وتهديد طرق التجارة الإقليمية.
غير أن خروج السودان من الإيقاد جاء في سياق سياسي معقّد، ارتبط بتصاعد الخلافات حول طريقة تعامل المنظمة مع الأزمة السودانية الداخلية، وما اعتبرته الخرطوم آنذاك انحيازًا سياسيًا وتجاوزًا لمبدأ احترام سيادة الدول الأعضاء. وقد أدى هذا التباعد إلى إضعاف دور الإيقاد نفسها، بقدر ما أضر بالسودان، إذ غاب أحد أهم الفاعلين عن طاولة إقليمية تُعالج قضايا تمسّه بشكل مباشر.
اليوم، تفرض المتغيرات الإقليمية والدولية إعادة النظر في هذا الوضع. فاستمرار الحرب في السودان، وتداعياتها العابرة للحدود، يجعل من عودته إلى الإيقاد مسألة مصلحة مشتركة، لا تنازلًا سياسيًا. فالإقليم لا يحتمل دولة محورية معزولة عن أطر التنسيق الإقليمي، كما أن السودان لا يستطيع إدارة تحدياته الأمنية والاقتصادية بمعزل عن محيطه الطبيعي.
إن عودة السودان إلى الإيقاد تمنحه مزايا استراتيجية واضحة، في مقدمتها استعادة منصة إقليمية للتأثير في القرارات التي تمس أمنه القومي، والمشاركة في صياغة مقاربات جماعية لقضايا النزاعات، واللاجئين، والأمن الغذائي. كما تتيح له هذه العودة كسر العزلة الدبلوماسية، وإعادة تقديم نفسه كفاعل مسؤول يسعى للحلول الإقليمية بدل الصدامات الثنائية.
وفي المقابل، تستفيد الإيقاد من عودة السودان عبر استعادة توازنها الداخلي، وتعزيز مصداقيتها كمنظمة جامعة لا تُقصي الدول المؤثرة. فوجود السودان داخلها يعزز قدرتها على التعامل مع ملفات شديدة الحساسية، مثل أمن البحر الأحمر، واستقرار جنوب السودان، والهجرة غير النظامية، وهي قضايا لا يمكن معالجتها بفاعلية في غياب الخرطوم.
وعليه، فإن عودة السودان إلى الإيقاد ليست مجرد خطوة دبلوماسية رمزية، بل خيار استراتيجي يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الترابط الإقليمي. فهي عودة تخدم السودان، وتخدم الإقليم، وتؤكد أن الاستقرار في القرن الإفريقي لا يمكن بناؤه بالإقصاء، بل بالشراكة، والحوار، والاعتراف المتبادل بالأدوار والثقل الحقيقي للدول.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات