بقلم/ إبراهيم شقلاوي
تحوّلت الحرب في السودان إلى أزمة إقليمية ذات أبعاد أمنية واقتصادية وإنسانية، تهدد بإعادة تشكيل توازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فالتصعيد الأخير من قبل مليشيا الدعم السريع الذي استهدف قوافل الإغاثة في شمال كردفان، وما تبعه من بيان سعودي حاد، ومن عقوبات أوروبية وبريطانية، ومن توافق إقليمي غير مسبوق، يكشف أن المجتمعين الإقليمي والدولي شرعا فعلا في إعادة تعريف مليشيا الدعم السريع: باعتبارها كيان خارج عن القانون، يقترب من التوصيف ” بالمنظمة الإرهابية “
غير أن هذا المشروع ، الذي طالما احتمى بـ “مظلّات” إقليمية ودولية، يواجه اليوم لحظة انكشاف تاريخية، تضعه على أعتاب “المقصلة” السياسية والأمنية. كأداة اقتصادية جرى توظيفها ضمن مشروع عابر للحدود، تم دعمه من بعض القوي السياسية التي راهنت على الفوضى كوسيلة للتمكين، وعلى تفكيك الدولة كمدخل لإعادة رسم الخرائط والنفوذ.
عقب بيان الخارجية السودانية الذي أدان الهجمات الأخيرة التي استهدفت قوافل برنامج الأغذية العالمي ومستشفى الكويك العسكري وحافلات النازحين في شمال وجنوب كردفان وسماها بجرائم حرب صدر أمس بيان لافت من المملكة العربية السعودية، مثل تحوّلًا نوعيًا في مقاربة الأزمة.
فهي لا تكتفي بالإدانة، بل تربط الانتهاكات بنقض إعلان جدة، وتعيد التأكيد على حماية المدنيين، ووحدة السودان، ورفض التدخلات الخارجية.
هذا الخطاب كما يبدو لا يستهدف المليشيا وحدها، بل يبعث برسالة إلى القوى الإقليمية والدولية التي ظلت تراهن على إبقاء الدعم السريع ضمن طاولة المفاوضات حتي يعاد من جديد ضمن الخارطة الأمنية والسياسية.
من هذا الخطاب، يُفهم البيان على أنه إعلان واضح من المملكة العربية السعودية عن ختام مرحلة، وبداية مرحلة جديدة، مرحلة تميزت بمحاولاتها المتكررة لبناء توافق إقليمي لاحتواء النزاع، تمثل أبرزها في منبر جدة الذي أفضى إلى اتفاق بين الجيش ومليشيا الدعم السريع في 11 مايو 2023، وافتتاح مرحلة جديدة تحمل رسائل سياسية صارمة وواضحة: أن الدولة وحدها هي المرجع الشرعي للسلطة المسلحة، وأن أي كيان مسلح خارج مؤسساتها لن يكون له وجود مقبول في المشهد الوطني.
كذلك فرض الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي عقوبات على قيادات ميدانية ومالية في المليشيا، وتجميد بريطانيا لأصول مستشارها المالي، يعكس انتقال الضغط من المستوى السياسي إلى البنية التحتية للحرب. هذه إجراءات تمثل ضربات موجعة تستهدف شبكات التمويل، والطائرات المسيّرة، وغسيل الأموال، وتقطع ما تبقي من شرايين بقاء المليشيا.
كذلك تكامل الأدوار بين السعودية ومصر وتركيا بشأن ضرورة إنهاء وجود الدعم السريع في السودان يحمل دلالة مهمة. فهذه الدول رغم اختلاف مصالحها، وجدت نفسها أمام تهديد مشترك يتجاوز السودان إلى أمن البحر الأحمر، والهجرة غير الشرعية، وشبكات السلاح والمخدرات.
هذا التوافق والانسجام في المواقف الإقليمية والدولية يعني أن المليشيا فقدت مظلتها الإقليمية والدولية الداعمة، وباتت محاصرة سياسيًا وأمنيًا.
في الداخل تتصدع بنية المليشيا وسط حواضنها الاجتماعية. الاستياء وسط ما تبقي من القيادات الميدانية، وفشل مجموعة تأسيس بقيادة التعايشي وصمود بقيادة د. عبد الله حمدوك وغيرها من الداعمين السياسين في كسب أي شرعية دولية، وتحول جرائم الجنينة والفاشر والنهود إلى عبء أخلاقي يلاحقهم في كل المحافل، كلها مؤشرات على فقدان المشروع لروحه. ومع تصاعد عمليات “طوفان كردفان” وتراجع الدفاعات، وفرار المرتزقة، يتكامل المشهد: جبهة تتآكل، وظهر مكشوف، ومستقبل مسدود.
هذه التطورات المتسارعة تنهي مشروع الدعم السريع الطامع في الموارد والسلطة، وتحوله إلى شبكة عابرة للحدود، تنشط في التهريب والهجرة غير الشرعية والتنسيق مع جماعات خارجة عن القانون، بما يشي بنقل الصراع إلى مستوى جديد مهدد لأمن الجوار السوداني.
هنا لم يعد السؤال عن مستقبل المليشيا داخل السودان ، بل عن كلفة بقائها على الإقليم بأسره. وحين يصبح الكيان المسلح مصدر تهديد للجميع ، فإن تصنيفه كمنظمة إرهابية يغدو خيارًا سياسيًا منطقيًا، لا مجرد إجراء قانوني.
المفارقة تكمن في أن الدعم السريع الذي صُمّم كأداة للسيطرة وإرهاب الخصوم، أصبح اليوم عبئا سياسياً وقانونيا وأخلاقيا على كل من راهن عليه. المظلّة الداخلية والإقليمية التي منحت له هامش الحركة تحوّلت إلى مقصلة، ليس بسبب تغيير موقف السعودية، بل بسبب إعادة ترتيب القوى الإقليمية والدولية ومواجهة الكيان الذي خرج عن كل إطار شرعي.
بحسب #وجه_الحقيقة فإن تلاقي الضغط الدولي، والتوافق الإقليمي، والتقدّم الميداني، والتآكل الداخلي، يرسم ملامح لحظة فاصلة في حرب السودان. لحظة قد تفضي إلى إعادة تعريف كامل لطبيعة الصراع، واطرافه ، وأدوات التعامل معه. فإما أن تُستعاد الدولة السودانية بوصفها الإطار الوحيد للشرعية والسيادة الوطنية، أو تسقط الأخلاق والقيم و تُترك الجغرافيا نهبًا لاقتصاد الحرب. وبين هذين الخيارين، يقف السودان على حافة تاريخ جديد، يتشكل الآن بخطي متسارعة .
دمتم بخير وعافية.
الاحد 8 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com
