في هذا المقال أحاول أن استقطع جزء من فصل بعنوان “الأحداث و صناعة الأحزاب في السودان” في كتاب معد للطباعة بعنوان ” الأحزاب في السودان – استبدال الفكر بالشعار سببا للتراجع الاستناري” و الفصل يتناول عددا من الأحزاب السودانية التي صنعتها الأحداث في السودان؛ منها حزب ” المؤتمر الوطني – السوداني” و كنت قد كتبت عن حزب المؤتمر السوداني من قبل ثلاثة مرات في تواريخ مختلفة، المقال الأول عندما أعلن حزب المؤتمر السوداني خوض انتخابات 2020م في تحدي لحزب المؤتمر الوطني، و كان قد سماه الحزب الشيوعي ب ” الهبوط الناعم” و شجعت المؤتمر السوداني لخوض التجربة لأنها سوف تكسبه ميزتين: الأولى تدريب عضويته على التعبئة و الحشد و الحركة وسط الجماهير.. الثانية تدريب عضويته على الخطابة و أكتشاف النواقص في الحزب، و أيضا التفكير العقلاني في مواجهة الواقع و كيفية تغييره.. فالصراع وسط الجماهير أم مدرسة للتدريب السياسي..
كتبت المقال الثاني بعد ثورة ديسمبر 2018م، عندما تبين أن قيادات القوى السياسي التي أوكلت إليها مهمة قيادة الفترة الانتقالية كانت في حاجة إلي تبصير سياسي، لآن البعض امنهم لم يخوضوا صراعا سياسيا مفتوحا، إذا كان مع الأحزاب السياسية أو مع السلطة، و تجربتهم حديث.. في المقال أقترحت أن يندمج المؤتمر السوداني مع التجمع الاتحادي لتشكيل قوى وسط جديدة. خاصة أن قوى الوسط غائبة ككفر، رغم رفع شعار التحول الديمقراطي، و القوى الحديثة توزعت بين القوى الأيديولوجية.. كتبت المقال الثالث عندما ظهر الصراع داخل حزب المؤتمر السوداني في أواخر سنة 2022م و تم إبعاد و تجميد عناصر كانت تشكل تحديا لعمر الدقير في انتخابات مارس2023م.. الأمر الذي يبين أن أبعاد مجموعة كانت لها رؤية مخالفة للدقير و خالد عمر يوسف..هل كان الإبعاد للقيادات تحسبا لمرحلة جديدة قادمة.
حضرت شخصيا المؤتمر التأسيسي لحزب ” المؤتمر الوطني” الذي كان قد عقد في عام 1986، في منزل مصطفي التني في الصافية ببحري، و الذي كان قد ترأسه مولانا عبد المجيد امام، و شمل العديد من القيادات التي كانت في قيادة “التجمع النقابي” الذين قادوا عملية الصراع مع نظام مايو و انتفاضة 1985م، و العديد من هؤلاء حضروا عملية تأسيس تنظيم الطلاب المستقلين في جامعة الخرطوم أواسط سبعينيات القرن الماضي، و كان لهم مواقف سلبية من الأحزاب السياسية.. في المؤتمر العام كان الحوار حول الرؤية الفكرية التي يجب أن يؤسس عليها الحزب، و لآن الأغلبية لم يكونوا منتمين سياسيا لأية تيارات فكرية، تصبح العملية أجتهادات فردية تتلخص في تصورات كانت تحتاج إلي سياقات فكرية قابلة للإندماج، و بسبب أن أغلبية القيادات بنت مفاهيمها عن الأحزاب خارج دائرة الانتماء، حاولت أن تتعامل مع السياسة كأنها تنظيم نقابي طلابي.. و استلف هنا حديث الأستاذ زهير عثمان لمقال كتبه عن خروج مجموعة من حزب المؤتمر السوداني التي ذهبت لمجموعة ” التأسيس” كتب زهير مقالا بعنوان ” فصل أعضاء المؤتمر السوداني في سياق أزمة التنظيم الحزبي السوداني” نشر في عدد من الصحف الالكترونية السودانية يقول فيه (هناك بعد سوسيولوجي لا يمكن تجاهله. كثير من المنتمين للأحزاب اليوم هم أبناء جيل ديسمبر، جيل تشكّل وعيه السياسي خارج الأطر الحزبية، ويميل إلى العمل الشبكي، ورفض الهرمية الصارمة، والنظر إلى السياسة كفعل مباشر..لا كمسار بطيء داخل مؤسسات مغلقة. في المقابل، لا تزال قيادات عديدة تعمل بمنطق الاستمرارية التنظيمية وضبط الصف…ما جرى في المؤتمر السوداني يمكن قراءته أيضًا كصدام بين ثقافتين سياسيتين داخل الحزب الواحد..السؤال الأهم ليس: هل خالفت المجموعة المفصولة اللوائح؟ بل: هل ما زالت هذه اللوائح صالحة لإدارة حزب سياسي في بلد ينهار؟) اضيف عليه سؤالا أخر هل القيادات في المؤتمر السوداني سوف تجيب على ضوء لائحة الانضباط، أم على رؤية فكرية تباعدت فيها المواقف السياسية؟..
من خلال الرجوع إلي منصة التأسيس، و أيضا الرجوع إلي تاريخية الحزب الذي تحول في مرحلة تاريخية في 1994م حيث أغلبية القيادات ذهبت و أسست التنظيم العسكري ” قوات التحالف السودانية” بقيادة اللواء عبد العزيز خالد، و هي اندماج بين مكونات حزب المؤتمر الوطني الذي أصبح فيا بعد المؤتمر السوداني، و منظمة العمل الأشتراكي، و مجموعة من الاشتراكيين الذين كانوا يسمون أنفسهم ” حشود” و هم مجموعة من الطلاب الذن كانوا ينتمون للجبهة الديمقراطية و الحزب الشيوعي و خرجوا منه.. هذه الخلطة من التيارات الفكرية، كان التوافق بينها محدودا للتباينات الفكرية، و هي التي أدت إلي انقسامات متعددة في مسيرة تنظيم ” قوات التحالف السودانية” و بعد نيفاشا كان لابد للرجوع للعمل الحزبي، وفقا لاتفاقية “نيفاشا 2005م” أصبح الحزب لابد أن يغير الأسم لآن الإسلاميين سطوا على الأسم و تحول إلي ” المؤتمر السوداني” الذي اعتمد في الاستقطاب على تنظيم ” مؤتمر الطلاب المستقلين” و هؤلاء كان عندهم موقفا سلبيا من العمل السياسي..
أن حزب المؤتمر السوداني ليس له مرجعية فكرية يمكن أن يتحاكم إليها، و في نفس الوقت يبني عليها تصوره لمجريات الأحداث، أن الأحداث وحدها هي التي تشكل ملامحه بين فترة و أخرى، لذلك تجد الحزب يتفاعل مع الشعارات التي تطرح في الشارع السياسي، رغم أن الشعارات لا تصنعها الجماهير، أنما تدسها أحزاب أخرى وسط الجماهير، و تجعل الحزب يتحول من سياق إلي أخر، و وفقا لردة الفعل التي تحدث وسط الجماهير في قبولها أو رفضها للشعار المطروح.. الأمر الذي يؤدي إلي تعارض في الخطاب السياسي للقيادات مرات عديدة، لآن الخطاب يخرج من أفراد عندهم تباين في المواقف، و غير محكومين بمرجعية تنظيمية واحدة، حيث أصبحت عضوية الحزب تنتظر تغريدات بعض القيادات، أو اللقاءات في القنوات الفضائية حتى يتعرفوا عن موقف الحزب في المسألة المطروحة.. أن الحزب لا يؤسس فكريا و ديمقراطيا على أراء أفراد، أنما هو حوار و تفاعل جمعي يتأسس على الأفكار و ثقافة القاعدة، و نتائج هذا التفاعل يشكل القاعدة الأولية للمرجعية الفكرية المطلوبة، و إلا أن الحزب سوف يشهد صراعا بين التيارات المختلفة كل فترة سوف تخرج منه مجموعة تشكل محورا جديدا خارج الحزب… نسأل الله حسن البصيرة..
