جدة/ مطر الهادي فرح
حين يتجمع أبناء الجالية السودانية في جدة للاحتفال بالذكرى السبعين لاستقلال السودان، لا يكون الأمر مجرد مناسبة تاريخية، بل هو رسالة حيّة من الانتماء والوفاء للوطن، وتجسيد للهوية الثقافية والفنية عبر الأجيال، وعمل جماعي متقن ينبض بالفخر والإبداع والوعي الوطني. شهدت قاعة الشرق الأوسط احتفالًا فنيًا وثقافيًا منسقًا بدقة متناهية، عكس روح التعاون بين كل الفاعلين، حيث امتزج الفن بالشعر والموسيقى والعمل المؤسسي لتتكوّن لوحة متكاملة من الانتماء والإبداع والوعي، كما عكست مشاركة الأسر المنتجة بعدًا اجتماعيًا وثقافيًا يؤكد أن الانتماء لا يُقاس بالكلمات وحدها، بل بالأفعال الصادقة والجهود المبذولة.
قاد الإعلامي محمد توفيق فقرات الحفل بأسلوب راقٍ جمع بين الرصانة واللمسة الفنية، مستهلًا البرنامج بعزف النشيد الوطني السوداني، تلاه النشيد الوطني السعودي، ثم تلاوة مباركة من القرآن الكريم غرست في النفوس معاني الروحانية والفخر بالهوية الوطنية. وتوالت الفقرات الفنية والشعرية، حيث ألهب الشاعر الكبير السر محمد أحمد مشاعر الحضور بقصيدة وطنية نابضة، أعقبها عرض فني من مدرسة بكة لتعليم المنهج السوداني، وفقرة أكروبات أبدعتها الكوتش منى نالت استحسان الجميع. كما شارك طلاب مدرسة نخبة التميز بفقرات غنائية حماسية، وأطربت الفنانة منار صديق الجمهور بروائع الفن السوداني الوطني، فتجلّت الكلمات والألحان في لوحة فنية متكاملة تمس الروح وتلهم القلب. وقدّم الشاعران الواثق عبد الرحمن وبابكر الصلوعابي عروضًا مزجت بين الشعر والغناء، لتؤكد أن الفن هو أصدق وسيلة لتجسيد الهوية والذاكرة الوطنية.
وأُلقيت كلمات رسمية بروح وطنية صادقة، حيث تحدّث الطيب عثمان حميدة، رئيس رابطة الشباب والطلاب، عن دور الشباب في مرحلة البناء، وتناول الأستاذ الفاضل الشاذلي، رئيس لجنة تسيير الجالية في جدة، معاني ذكرى الاستقلال، فيما أعرب الدكتور عبد الرحمن سيد أحمد، الأمين العام لجهاز شؤون السودانيين العاملين بالخارج، عن تقديره للمغتربين الذين وقفوا مع الوطن في معركة الكرامة. وتواصلت الفقرات الغنائية بمشاركة صديق سرحان وأحمد كرار ومعز الجبل، قبل أن تبلغ الذروة مع أغاني الفنان الراحل محمد وردي التي قدّمها الموسيقار بحرفية عالية، فتفاعل معها الجمهور بالفرح والرقص. كما قُدّمت فقرة خاصة لأغاني الطمبور، تأكيدًا على التراث والفن السوداني الأصيل.
واختُتم الحفل بكلمة القنصل العام لجمهورية السودان بجدة، سعادة السفير الدكتور كمال علي عثمان طه، الذي أشاد باللجنة المنظمة والداعمين والمشاركين من الطلاب والمدارس، وهنّأ أبناء الجالية بهذه المناسبة الغالية، مؤكدًا أن الإبداع والعمل الجماعي هما سر كل نجاح مستدام.
وتألقت جمعية رعاية الشباب والطلاب بجدة في تنظيم الحدث، بعد مشاركتها المميزة في النفرة القومية لدعم الفاشر، لتؤكد قدرتها على تنسيق الفعاليات الكبرى وإدارة الأقسام المختلفة من الكشافة والإعلام والثقافة باحترافية عالية. كما كانت جمعية التراث السودانية حضورًا مشرفًا ومشاركة فاعلة، داعمة للحفل بكل خبرتها ومساهمتها الثقافية. وأوضح الأمين العام لجمعية رعاية الشباب والطلاب المهندس محمد الطيب أحمد أن هذا النجاح تحقق بفضل العمل الجماعي والالتزام، ودعم القنصلية ولجنة تسيير الجالية واللجنة القومية. ولم يغب عن الاحتفاء الدور الكبير للجنة القومية بقيادة الأديب سيف الدين عيسى، والمستشار القانوني الواثق عبد الرحمن، والشاعر الكبير إبراهيم المك، ولجنة الإعلام برئاسة الأمين الزبير، وبقية الإخوة والأخوات، والمخرج القانوني الفاضل العمدة، وأمير طمبل، الذين أخرجوا الكرنفال في ثوب زاهٍ وجميل. كما كان حضور كامل أعضاء لجنة تسيير جالية جدة، يتقدمهم الأستاذ بشير مكي الأمين العام للجنة تسيير الجالية، بارزًا، حيث تابعوا تفاصيل البرنامج وشاركوا في التنظيم والإشراف على سير الفقرات، فيما مثل أعضاء لجنة تسيير جالية مكة المكرمة حضورًا مميزًا.
إن احتفال أبناء الجالية السودانية بالذكرى السبعين للاستقلال ليس مجرد استرجاع للماضي، بل حوار حي مع الحاضر واستشراف للمستقبل، حيث يتحول الوطن إلى نبض متواصل في القلوب، والفن إلى رسالة، والعمل الجماعي إلى لوحة حيّة تروي قصة الانتماء والهوية. جمع هذا الاحتفال بين الفخر والفن والشعر والعمل المؤسسي وروح الشباب، ليؤكد أن الهوية الوطنية تُصان بالأفعال والجهود المخلصة والوفاء للوطن أينما كنا. كما نشكر المملكة العربية السعودية قيادةً وحكومةً وشعبًا على حسن الاستقبال والضيافة ودعمهم لمغتربي السودان، بما يعكس الروح الإنسانية الرفيعة. ليظل هذا الاحتفال نبضًا حيًا للوطن، وصوتًا للفخر، ورسالة مستقبلية للأجيال القادمة، تُكتب بالأفعال قبل الكلمات، وتؤكد أن الوطن لا يُنسى مهما بعدت المسافات، وأن الهوية تُصان بالعمل والوفاء والحب الصادق.
الوطن يُحفظ بالوفاء، لا بالكلمات.
أتمناكم بخير
