تمثّل عودة منتزه الساحة الخضراء إلى العمل في قلب العاصمة الخرطوم خطوة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية ونفسية بالغة الأهمية، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المدينة بعد سنوات من الحرب وتداعياتها المباشرة وغير المباشرة على المجتمع.
فمواطنو الخرطوم، سواء الذين ظلّوا بالمدينة خلال فترة الحرب أو الذين عادوا إليها لاحقًا، يواجهون تحديات نفسية واجتماعية متراكمة، تستدعي توفير مساحات آمنة ومهيأة تسهم في تخفيف حدة التوتر، وتساعد على إعادة التوازن النفسي للأسرة، ودعم مسارات التعافي المجتمعي. وتأتي المنتزهات العامة، وفي مقدمتها الساحة الخضراء، ضمن أهم هذه المساحات الحيوية.
ولا تقتصر أهمية عودة الساحة الخضراء على كونها متنفسًا ترفيهيًا، بل تتجاوز ذلك لتؤدي دورًا داعمًا للصحة النفسية، خاصة للأطفال الذين يُعدّون الأكثر تأثرًا بآثار الحرب، حيث توفر لهم بيئة تساعد على استعادة الإحساس بالأمان، وتدعم نموهم النفسي والاجتماعي في أجواء طبيعية وآمنة.
كما تسهم المنتزهات العامة في تعزيز التماسك الأسري، وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية التي تأثرت سلبًا بفترات الخوف والاضطراب، وتمنح الأسر فرصة للخروج من دائرة الضغوط اليومية إلى فضاءات مفتوحة تتيح الاسترخاء والتفاعل الإيجابي.
إن عودة الساحة الخضراء للعمل تعكس فهمًا متقدمًا لمفهوم التعافي الشامل، الذي لا يقتصر على إعادة الإعمار المادي والبنية التحتية، بل يشمل التعافي الجسدي والنفسي والاجتماعي للمواطن، باعتباره حجر الأساس في استقرار المجتمع وبناء مرحلة ما بعد الحرب.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة تأهيل وفتح بقية المنتزهات والحدائق العامة في العاصمة، بوصفها مكوّنًا أساسيًا من مكونات الصحة المجتمعية، ورافدًا مهمًا لتحسين جودة الحياة، لا سيما للأسر والأطفال، في مرحلة تتطلب استعادة الشعور الطبيعي بالحياة والأمان.
وتُعد هذه الخطوات مؤشّرًا إيجابيًا نحو عودة الخرطوم إلى دورها الطبيعي كمدينة للحياة والعمل والاستقرار، ومقدمة ضرورية لبناء مجتمع متعافٍ قادر على تجاوز آثار الحرب والانطلاق نحو المستقبل.
