قراءة في زمن الحرب… ما بعد سقوط البندقية
تسليط الضوء على الأزمة الإنسانية وحق الشعب في العدالة والوطن
تتابعًا لمقالنا السابق حول حرب الأحزاب الناعمة وصمت العالم أمام تراجع الوطن، نلقي الضوء الآن على دارفور ومعاناة شعبها الذي صمد رغم كل الألم، والذي صار شاهدًا على جرائم ممنهجة ونهب ممنهج للثروات.
بينما ينشغل العالم بخطاباته وبياناته الباردة، تتواصل في دارفور عملية نهبٍ ممنهجة لثروات الأرض والإنسان. تُسرق الأرض، وتُستنزف الموارد، وتتحول المعاناة الإنسانية إلى سوقٍ قاسٍ لا يعرف الرحمة. تجارة الأعضاء وتهريب الثروات ليست مجرد جرائم منفصلة، بل جزء من اقتصاد حربٍ متكامل بُني على دماء الأبرياء، وعلى صمت دولي مريب.
والسؤال الذي ينبغي أن يطارد كل ضمير حي:
كم من خيراتنا تُسلَب كل يوم ونحن ننظر في صمت؟
ولم تكن دارفور يومًا وحدها في هذا المسلخ
المفتوح، لكنها كانت الوجه الأكثر وضوحًا للجريمة، والمرآة التي عكست ما تعرّض له السودان بأكمله من نهبٍ منظّم واستنزاف ممنهج. فما جرى ويجري لم يكن انفلاتًا عشوائيًا، ولا صراعًا محليًا محدودًا، بل جزءًا من سياسة حرب حوّلت الثروات الوطنية إلى وقود للصراع، والإنسان إلى سلعة في سوق سوداء لا تحكمها القوانين ولا الأخلاق.
الذهب، الأرض، الموارد، وحتى الجسد البشري، جميعها أُدرجت ضمن معادلة الاستنزاف، تديرها شبكات تعرف كيف تُطيل أمد الحرب، وكيف تستثمر في الألم، وتغذّي الفوضى لتبقى. وهنا لا يصبح الصمت مجرد عجز، بل شراكة غير معلنة، لأن هذا الاقتصاد الأسود لا يستمر بالسلاح وحده، بل بغضّ الطرف، وتدوير المأساة، وتحويل نزيف الوطن إلى خبر عابر في نشرات عالم اعتاد البرودة.
✨ الشعب… بين الصمود والانكسار…
الشعب هو الضحية الأولى والأخيرة في هذه الحرب؛ صمد وقاتل، وقدّم وخسر، وفارق وتحطّم.
هُجِّر، وانتهكت حُرائره، وبِيع بعضه في سوق النخاسة بأرخص الأثمان. حتى صغارنا لم يسلموا. والحرب… غول، ونحن ندفع الثمن كاملًا.
ولم يكن هذا الشعب يومًا كيانًا منقسمًا بإرادته، بل جسدًا واحدًا فرضت عليه الحرب اختيارات قسرية: من اضطر للنزوح إلى العاصمة بحثًا عن الأمان، ومن علِق على الحدود بين وطن يلفظه وعالم لا يعترف به، ومن بقي تحت سيطرة المليشيات، مجبرًا على التعايش مع القهر، لا اقتناعًا. هذه المسارات كلها نجاة مفروضة وليست خيارات سياسية. والخطر الحقيقي أن يُحكم لاحقًا على هؤلاء الضحايا كما لو اختاروا الانقسام بأنفسهم.
✨ المرأة… أيقونة الصمود
والمرأة… أيقونة الصمود، حملت على عاتقها أعباء الحياة والمجتمع، بينما استمرت في زرع الأمل وسط الركام، تحمي الصغار وتحرص على استمرار التعليم والحياة، رغم كل القهر والجوع والتهجير.
المصير المكتوب لهذا الشعب لم يقرره السلاح وحده، بل القوانين، والاعتراف، والتمييز بين من يُسمح له بالعودة ومن يُقصى بصمت. فالعدالة لا تُستعاد بالكلمات وحدها، بل بالاعتراف الكامل بحقوق كل من صمد، وكل من دفع الثمن تحت القهر، وبميزان يحكم بلا انتقائية، ليكون كل إنسان في دارفور جزءًا من وطنه الكامل، لا رهينة لتاريخ الحرب ولا لسياسات صمت النخب.
✨ الأحزاب الناعمة… وألم الشعب….
مع الأحزاب الناعمة نشهد:
تقسيم المناصب،
تقليد المكاتب،
تجميل الضرائب،
بينما “النعومة” تُنعّم المسميات، والكل يتقدّم بالبيعة، والكل غارق في ثباتٍ بارد.
ولكن الحقيقة الأخطر أن هذه النعومة ليست بريئة، ولا مجرد أسلوب إداري، بل تغطية لصراع غياب الوطنية والمساءلة، حيث تُحوَّل المناصب إلى سلعة، والمكاتب إلى واجهة مزخرفة لصيانة مصالح شخصية. وما يُخفيه المظهر البارد هو أن الشعب هو الخاسر الأكبر: الموارد تُستنزف، القرارات تُجمّل، والأمل يُقهر. وبهذا تتحوّل الأحزاب الناعمة من أدوات سياسية إلى آلات إعادة إنتاج الفشل والتقصير الوطني، بلا بندقية، لكنها قاتلة بقوة البيروقراطية والانتقاء، وتعيد الوطن إلى مربع البداية حين يغيب معيار العدالة والمساءلة الفعلية.
✨ الحرب اليوم ليست بندقية فقط
غريبٌ أمرنا…
نعلم أن الحروب كانت وما زالت تشتعل في بلدان العالم، لكن حرب السودان حرب بدون وطنية، نعم بدون وطنية ولا انتماء. نماذج خرجت إلى الخارج لم تتعلم الدرس وتمادت في الأفعال لتعود بها للوطن، منهم من انسلخ من جلده وعاداته باسم المواكبة، ومنهم من عاد ساخرًا من الوطن نفسه.
اليوم، الحرب أصبحت آلة متعددة الوجوه:
المسيّرات تضرب بلا إنذار،
المخدرات تُباع في وضح الانهيار،
انتشار السلوكيات الدخيلة نتيجة انهيار القيم والضغوط النفسية والمعيشية.
حين يُترك الشباب بلا أمان، وبلا احتواء، وبدون أفق، تظهر سلوكيات دخيلة على الفطرة، (المثلية) ليست طبيعية، بل رد فعل لانهيار المجتمع داخليًا. وكل هذه الانهيارات تُفاقمها خيانة تُزيَّن باسم الدين والسلام، وغياب مؤسسات صارمة تحمي القيم والمواطنين. هنا يظهر ملف طال الصمت عنه طويلًا، ويهدد مستقبل الوطن إذا لم تُعالَج جذوره بشكل حقيقي وشامل.
✨ أسئلة الوطن والعدالة….
وهنا السؤال الجوهري:
هل كل القضية عودة الخرطوم والمدن المحررة؟
ومن يدخلها يملكها؟ ومن يبقى خارجها… هل له نفس الحق؟
أم سنعود إلى المربع الأول، حين نكتشف أن الواقع لم يتغير شيئًا؟
القوانين… حتى إن تحسّنت، ما زالت لا تُنصف إلا من تُراد له النجاة. الدعم السريع؟ مليشيات مرتزقة. والمتعاونون بيننا، وفئات لم تُصنَّف بعد، هي ذاتها التي ستعيدنا إلى البداية.
إضافة إلى ذلك أصحاب تجارة الحرب والمصالح
كل سؤال لم يُجب بعد… وكل ظلم لم يُنصف… هو دعوة لنا جميعًا لإيقاظ ضمير الأمة قبل فوات الأوان.
✨ المجتمع المدني والوطن الواحد…
وتظل الجمعيات والمبادرات المحلية في كل ولاية، مثالًا حيًا على أن الوطن موجود في كل فرد، وأن الإنسانية لا تنتظر تصريحات ولا شعارات، بل أفعال ملموسة تحمي الناس وتعيد لهم حقوقهم.
الوطن واحد، لا يُقاس بالخرطوم وحدها، بل بكل شبر في ترابة الغالي بين دموع أمهاتنا، أطفالنا، وشبابنا الذين صمدوا في كل قرية ومدينة وبيت في السودان.
في كل مستنفر يحمل مصير مثل مصير الوطن
✨ الوطن بحاجة إلى وعي حقيقي
الوطن لا يُبنى بالشعارات ولا بالتصريحات المتعجلة، بل بضمير حيّ وعدالة حقيقية.
يحتاج ميزانًا لا يميل، وقانونًا فوق الجميع، وعدالة تُطبَّق بأمر الله بلا مساومة ولا انتقائية.
كل فرحة بإعمار الوطن لا تحتاج إلى شعارات، ولا إلى تصورات متعجلة، فالوطن في داخله أكبر عزاء يُقام لأبنائه الشهداء.
الوطن يحتاج إلى:
ضمير،
ميزان،
عدالة،
وحدة وسلام،
قانون فوق الجميع… قانون السماء، وعدالة تحكم بأمر الله، لا تساوم، ولا تنام، ولا تنسى دموع كل أم شهيد.
فحرب اليوم ليست بندقية فقط، بل مسيّرات تضرب بلا إنذار، وخيانة تزين باسم الدين والسلام.
الوطن يحتاج أن نتصرف فيه كأمة واحدة، لا كأفراد متفرقين، ولا كضحايا بلا صوت.
سلام وأمان… فالعدل ميزان
✨ توقعي …
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
أنا صدى دموع كل شهيد…
أنا امرأة من حبر النار…
اشعلوا فينا نياران الحرب والفتن، حكموا شعبنا وغرسوا في أعماقنا وهم التحرر،
غفلنا عن الدرس، عن ماضينا، وعن عادات وتقاليد الأسلاف…
وهنا نحن نحصد ما زرعناه…
كلمة حق، حتى إن كانت الروح الثمن، هي الجسر بين الألم والوعي، بين الدمار والنهضة، بين الصمت والصرخة التي لا تُنسى.
✍️عبير نبيل محمد فرح
